"الحركة الصهيونية: طبيعتها وعلاقتها بالتراث الديني اليهودي" – دراسة تحليلية نقدية
الصهيونية بين الفكر السياسي والجذور الدينية: قراءة في كتاب الدكتور محمد خليفة حسن
لتحميل الكتاب:- الصهيونية وعلاقتها بالتراث الديني اليهودي
مقدمة
في خضم الصراع العربي الإسرائيلي، تظل الحاجة ملحة لفهم العمق الفكري والأيديولوجي للحركة الصهيونية، ليس فقط كحركة سياسية استعمارية، ولكن كظاهرة تحمل في طياتها تناقضات وتجاذبات مع التراث الديني والثقافي اليهودي. من هنا تأتي أهمية كتاب الدكتور محمد خليفة حسن، الأستاذ بقسم اللغات الشرقية بكلية الآداب – جامعة القاهرة، والصادر عن دار المعارف عام 1981، بعنوان "الحركة الصهيونية: طبيعتها وعلاقتها بالتراث الديني اليهودي".
هذا الكتاب ليس مجرد سرد تاريخي لنشأة الصهيونية، بل هو مقاربة تحليلية نقدية تتعمق في الإشكاليات الفكرية واللاهوتية التي أثارتها الصهيونية داخل البنية اليهودية نفسها. إنه يحاول الإجابة عن أسئلة جوهرية: كيف استقبل اليهود أنفسهم الفكرة الصهيونية؟ وما علاقة هذه الحركة السياسية الحديثة بالمفاهيم الدينية القديمة كـ"الشعب المختار" و"الخلاص" و"المسيح"؟
أولاً: إشكالية تصنيف الصهيونية بين القومية والدين
يبدأ المؤلف بطرح إشكالية أساسية، وهي حيرة المؤرخين اليهود أنفسهم في تصنيف الحركة الصهيونية. فمن ناحية، نشأت الصهيونية كحركة قومية في أوروبا القرن التاسع عشر، على غرار الحركات القومية الأوروبية الأخرى. ولكنها اختلفت عنها جوهرياً في أنها تفتقر إلى أهم مقومات الحركة القومية: الأرض القومية المشتركة واللغة القومية الموحدة وقت انطلاقتها.
وهذا التناقض جعل الصهيونية حركة فريدة من نوعها، تسعى لخلق ما ينقصها من مقومات. فكان هدفها الأول إنشاء "الوطن القومي" وإحياء "اللغة العبرية" (التي يشير إليها الكتاب خطأً بالعربية في بعض الصفحات). هذا الوضع الشاذ، كما يصفه الكتاب، جعل المؤرخ اليهودي في حيرة من أمره، ليس فقط في تصنيف الحركة، بل وفي وضعها في الإطار العام للتاريخ اليهودي، مما جعلها "أكثر مسائل الحياة اليهودية إثارة للجدل".
ثانياً: الصهيونية وإشكالية "الشعب المختار"
يتعمق الكتاب في واحدة من أعقد الإشكاليات اللاهوتية التي أثارتها الصهيونية، وهي علاقتها بعقيدة "شعب الله المختار" . فالديانة اليهودية تقوم على اعتقاد راسخ بأن اليهود شعب مختار من الله، له مكانة خاصة وميثاق فريد مع خالقه. هذا الاعتقاد يضع اليهودي في موقع "متميز" عن بقية البشر.
هنا يأتي التناقض الصهيوني: فالصهيونية تسعى إلى "تطبيع" الوجود اليهودي، أي جعل اليهودي إنساناً طبيعياً، له دولة كباقي الدول، ويعيش في هذا العالم دون توتر أو تميز. كيف يمكن التوفيق بين دعوة "المساواة" و"التطبيع" وبين عقيدة "الاختيار" التي تقوم على التميز؟
يعرض الكتاب محاولات المفكرين الصهيونيين لحل هذه المعضلة. فيشير إلى المفكر موشيه هس الذي حاول التوفيق بين المفهومين بتحديد دور جديد لليهود، فهم ليسوا مختارين لمجرد التميز، بل هم "نقلة الحضارة" إلى شعوب العالم المتخلفة. بهذا التحول، تبقى "الفضلية" لليهود، ولكن في إطار "رسالة" عالمية لا تتعارض مع وجودهم الطبيعي.
ثالثاً: التيارات الدينية اليهودية وموقفها من الصهيونية
يميز الكتاب بين تيارات دينية يهودية متعددة وكيف تعاملت مع الفكرة الصهيونية. هذا التحليل يكشف أن الموقف من الصهيونية لم يكن موحداً، بل كان مسرحاً لصراع فكري عميق.
1. التيار الأرثوذكسي:
يمثل هذا التيار الموقف التقليدي المحافظ. نظر الأرثوذكس إلى الصهيونية بعين الريبة، بل والعداء في كثير من الأحيان. فالخلاص في العقيدة اليهودية الأرثوذكسية هو خلاص إلهي، يتم بقدوم المسيح، وليس بجهد بشري سياسي. محاولة "استباق" الخلاص الإلهي وإقامة دولة بشرية هي بمثابة تمرد على إرادة الله. ومع ذلك، ظهر تيار "الأرثوذكسية الجديدة" الذي حاول مسايرة العصر وقبل ببعض التغييرات، لكنه ظل متمسكاً بالشريعة والتقاليد.
2. التيار الإصلاحي:
كان الإصلاحيون أكثر اندماجاً في المجتمعات الأوروبية وأكثر تأثراً بأفكار التنوير. نظروا إلى اليهودية كدين عالمي له رسالة أخلاقية، وليس كقومية. لهذا، رفضوا الصهيونية رفضاً قاطعاً في مؤتمراتهم (مثل مؤتمر بيتسبرغ 1885). اعتبروا أن الشتات هو موطنهم الحقيقي، وأن عودتهم إلى صهيون هي عودة روحية لا سياسية. الصهيونية عندهم كانت تهديداً لاندماجهم في المجتمعات الغربية.
3. التيار المحافظ:
مثل هذا التيار موقفاً وسطاً. فقد دعا إلى الحفاظ على التراث والتقاليد، مع قبول التغيير في الحدود المسموحة. من هنا، لقيت الصهيونية بعض التشجيع من هذا التيار، ولكن لأسباب إنسانية وروحية أكثر منها سياسية. فقد تبنى سولومون ششتر (رائد الحركة المحافظة) فكرة "الوطن القومي اليهودي" كمركز إشعاع روحي وثقافي، متأثراً بأفكار أحاد هعام (الصهيونية الروحية)، وليس كملجأ سياسي كما صورها هرتسل.
4. حركة إعادة البناء:
مع المفكر موردخاي كابالن، وصلت الأفكار الإصلاحية إلى ذروتها الجذرية. فقد نظر كابالن إلى اليهودية على أنها "حضارة" متكاملة، وليست مجرد دين. في هذا الإطار، تصبح إقامة دولة لليهود جزءاً من تجديد هذه الحضارة وإعادة بنائها. وبالتالي، فإن الصهيونية ليست بدعة، بل هي أداة لبعث الروح اليهودية وتجديدها.
رابعاً: رواد الفكر الصهيوني: من التحرر الذاتي إلى الدولة
يخصص الكتاب مساحة مهمة لتحليل أفكار أبرز رواد الصهيونية، مما يساعد على فهم تطور الحركة من حلم ديني/فلسفي إلى مشروع سياسي عملي.
1. ليو بنسكر والتحرر الذاتي:
قبل هرتسل، طرح بنسكر فكرة أن المشكلة اليهودية هي مشكلة "شعب ضيف" لا يرحب به أحد. الحل الوحيد هو "التحرر الذاتي"، أي أن يعتمد اليهود على أنفسهم لخلق كيانهم القومي، بدلاً من انتظار تحررهم من الآخرين.
2. تيودور هرتسل والدولة اليهودية:
مع هرتسل، تتحول الفكرة إلى مشروع سياسي دولي. في كتابه "الدولة اليهودية" (1896)، طرح هرتسل رؤيته بأن اليهود شعب لا يمكنه الاندماج، وأن الحل الوحيد هو إقامة دولة يهودية محمية بالمعاهدات الدولية. هرتسل هو السياسي الدبلوماسي الذي حول القضية اليهودية من مشكلة دينية أو اجتماعية إلى قضية رأي عام دولي. لكن الكتاب يشير إلى خطأ هرتسل الجوهري، وهو تأكيده – بوعي أو بغير وعي – على أن اليهود عنصر لا يمكن الاطمئنان إليه، مما جعله يسعى للتخلص منهم، معتبراً معاداة السامية "حليفاً" طبيعياً للمشروع الصهيوني.
3. أحاد هعام والصهيونية الروحية:
في مقابل الصهيونية السياسية، ظهر أحاد هعام (أشر جينزبرج) ليؤكد على أن الخطر ليس على اليهود كأفراد، بل على "اليهودية" كحضارة وروح. فالدعوة إلى دولة علمانية بحتة، دون محتوى روحي وثقافي، ستخلق يهوداً بلا يهودية. لذلك، دعا إلى إنشاء "مركز روحي" في فلسطين يكون منارة للعالم اليهودي، ويحافظ على الهوية اليهودية في مواجهة التحديث والاندماج. هذه الأفكار أثرت في مفكرين كبار مثل مارتن بوبر وحاييم وايزمان.
خامساً: نقد الصهيونية السياسية
لا يكتفي الكتاب بعرض الأفكار الصهيونية، بل يقدم نقداً لها. فيشير إلى أن الصهيونية السياسية، في سعيها لتحقيق أهدافها، تبنت خطاباً عنصرياً يرى في اليهود جماعة دموية مغلقة. كما انتقد هرتسل لاعتباره معاداة السامية ظاهرة طبيعية في الشعوب الأوروبية، مما جعله يبحث عن تحالفات مع معادي السامية بدلاً من مواجهتهم. هذا النقد يكشف عن الجانب البراغماتي الأعمى في الفكر الصهيوني المبكر، الذي كان مستعداً للتضحية بكل شيء من أجل تحقيق حلم الدولة.
خاتمة
يبقى كتاب الدكتور محمد خليفة حسن مرجعاً مهماً لكل باحث أو قارئ يريد فهم الصهيونية من منظور أعمق من التحليل السياسي السطحي. فمن خلال الغوص في التراث الديني والصراعات الفكرية داخل المجتمع اليهودي، يكشف الكتاب أن الصهيونية لم تكن مجرد رد فعل على الاضطهاد، بل كانت أيضاً أزمة داخلية في الفكر واللاهوت اليهودي. وهي أزمة لا تزال تداعياتها مستمرة، وتتجلى في الانقسامات الحادة بين التيارات الدينية المختلفة في إسرائيل والعالم حول معنى "اليهودية" و"الدولة" و"الهوية".
إن فهم هذه التناقضات الجوهرية هو مفتاح لفهم طبيعة المشروع الصهيوني، وبالتالي فهم أعمق لجذور الصراع العربي الإسرائيلي الذي لا يزال مستمراً.


رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك