يا صاحبي السجن

0

حكاية عقلٍ لا تُعتقل أفكاره

أظلمت الدنيا أمام ناظري، وتلاشت أضواء الحرية الدافئة تاركةً صقيعَ الرهبة يزلزل كياني، وثلوجَ اليأس تجمّد أوصالي، وضلوعُ صدري حبست فؤادي وحكمت عليه بالحبس دون نبضٍ أو مشاعر إلى أجلٍ غير مسمّى.

دفعتني يد السجّان كأنني جوالٌ معبّأ بالقمامة إلى داخل سكني الجديد المظلم، وقد أخذت أتفادى شيئًا حيًّا داسته قدمي لم أستطع رؤيته جيدًا، ويبدو أنه فأرٌ حكمت عليه محكمة القطط بالمكوث معنا في السجن إلى حين ينقضي أجله على يد أحد المساجين. إلا أن ذلك الفأر كان شجاعًا، ورغم أنه يستطيع النفاذ من بين القضبان الحديدية إلى الخارج، إلا أنه فضّل المكوث بيننا في شموخٍ وأنفة من أن يُطلق عليه هاربًا من العقوبة.

هنيئًا لك أيها الفأر، فلقد رفعتَ رأس عشيرتك من الفئران! فها هو "جيري" في جميع حلقاته تحدّى القطط والكلاب، واستطاع بمقدرته العجيبة على الهروب ونصب الفخاخ أن يواجه كل المخاطر بشجاعةٍ وحزم، ويُخلّد اسمه في التاريخ الحديث؛ ذلك التاريخ الذي زيّف كل الحقائق، فمجّد قامات الخسّة، ونكّس هامات الطُّهر والفضيلة.

لم يعد لذلك الزمان الذي نعيشه أيُّ ملامح واضحة؛ فلقد أضحت فيه الحقيقةُ عن الجميع كعذراء في خِدرها، ولا تكاد تمتدّ يدٌ لكشف الستر إلا وتطولها سهام الاتهام، تقذف بها أيدي اللئام المرتعدة خوفًا من فضحهم وكشف عوارهم أمام الكون والتاريخ.


📚 ولهذا سجنوني

كنت في إحدى الأمسيات الثقافية، بين أربعة جدرانٍ لمكتبةٍ عتيقة كانت من رموز حضارة عصرٍ بائد. وكانت تلك الأمسيات أسبوعية، ولها حفلاتٌ عامة ربع سنوية، غير حفلات التوقيع لكتب المواهب البارزة التي تخرّجت من فرق طلائع المكتبة وشبابها. وقد اتفقوا جميعهم مع إدارة المكتبة — بموافقة ورعاية هيئة قصور الثقافة — على إصدار كتابٍ مجمَّع يجمع بين دفّتيه بواكيرَ أعمالهم وخلاصةَ أفكارهم ومحاولاتهم البريئة لإخراج كتاباتهم إلى العلن.

وكانت أمسية حفل مناقشة الكتاب وندوةٍ عن مواضيعه، وكنت من بين المشاركين فيه والحاضرين أيضًا، رغم أنني فوجئتُ قبل الحفل بيومين أن مشاركتي لم تُقبل للنشر بتمامها، وحُذفت حذفًا من الكتاب. ورغم أن بعض العاملين بالإدارة التمسوا لي العذر وإتاحة فرصةٍ بمحاولةٍ أخرى، إلا أن الموظف المسؤول رفض تمامًا، وأمر بإخراجي من عضوية المكتبة وحذف اسمي من كل الحلقات والندوات، بلهجةٍ حادة ملوّحًا بالوعيد:

"أريد لذلك الولد أن يتبخّر تمامًا كالماء.. كأنه لم يكن!"

ولم ينبس أحدهم ببنت شفة، وخيّم عليهم الصمت الوجوم، وغيّمت على وجوههم الغيوم، ونبضت قلوبهم بدماء الرهبة الباردة، وقد أجمعوا أمرهم بتنفيذ ما طُلب منهم.. دون شفقةٍ أو رحمة. وحكموا عليّ بالخروج من الحياة الثقافية التي لطالما وجدت فيها نفسي، وأشعر فيها بكياني، وتتولّد فيها بناتُ أفكاري من رحم الكتب التي كنت أطالعها بنهم.

🖋️ أممٌ تعيش بداخلي

فبين الماضي والحاضر عشتُ أنبش التراث، وأتنزّه في بساتين الفكر المعاصر لرموزٍ تعيش بيننا بكلماتها وكتبها شعرًا ونثرًا، وأخذت أترعرع فيها كنباتٍ يرتوي من معينها، ويسيل قلمي بكلماتٍ لم أحلم بأن أفكّر فيها يومًا، كأنها ليست من أفكاري، وكأني لست كاتبها؛ فهناك أممٌ بداخلي تفكّر وتحرّك أناملي بحروفٍ يسوّد بها قلمي سطورًا دون إرادتي.

وجدتُ أممًا قد خلت كأنها عادت إلى الحياة بداخلي، تمليني حكمة الدهور وخلاصة تجارب البشر: كيف يجري التاريخ، فتعلو أممٌ وتتهاوى أمم، وكيف تزدهر الحضارات وكيف تضمحل. وأخذت أسرح بخاطري في تاريخ ابن خلدون، وكيف كان يستنبط من التاريخ قوانين ذلك العالم، فيعتصر عقله ليُخرج لنا خلاصة أسرار العمران واجتماع البشر، بل وسياستهم واقتصادهم.

أخذت أدوّن خواطر جمّة تتوارد عليّ من حيث لا أدري..
أهي من عِلّيين.. أم من سِجّين؟

🏛️ المجتمع.. إنسانٌ كبير

فكتبتُ خواطري عن واقعنا: كيف أراه، وماذا أريد أن أراه، ولماذا أريده كذلك. ولا يعيب المرءَ أن يفكّر في الواقع من حوله كيف يشاء، بل إن العيب أن يحاول فرضه فرضًا بالقوة دون بيانٍ أو برهان. ولم يحدث في أيام عمري أن تمعّر وجهي من أجل اختلاف أحدٍ معي، ولا ارتعدت أوصالي من اتهامي بالسفاهة أو الجهالة، ولا العمالة والدجل؛ فرغم كل شيء، كلنا نفكّر، وكلنا نصيب كما نخطئ.

فالإنسان زيّنه الله بالعقل وسخّر له كل شيءٍ بالفكر والإرادة والعمل؛ وبقدر ما يكدّ ويجتهد ويوفّق بين فكره وإرادته وعمله، بقدر ما يعلو ويزدهر. وكذلك المجتمع، فإنه ليس إلا صورةً مكبّرة من الإنسان، كما الإنسان صورةٌ مصغّرة من المجتمع. وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في قوله:

«المسلمُ للمسلمِ كالبنيانِ يشدُّ بعضُه بعضًا»
«مثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثلُ الجسد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمّى»

فهذا هو المجتمع كما وصفه رسول الله ﷺ، وجعل أسسه قائمةً على الودّ والرحمة والعطف، والوحدة على المبادئ والشرائع، للوصول إلى الهدف الأسمى وهو الإنسانية؛ أن يصبح المجتمع إنسانًا كبيرًا، أفرادُه أعضاؤه، وثقافته عقله، واجتماعه سرّ قوته.

هكذا هو القانون الحقيقي.. وهكذا هي الشرائع تجمع ولا تفرّق. فالفرد ليس فانيًا في المجتمع كما يريد البعض، بل هو أساسه؛ والمجتمع ليس ديكتاتوريًا مثبّطًا لطموحات الفرد التي لا تتعارض معه ولا تدعو إلى هدم العمران. وأن المصلحة العامة تُقدَّم على الخاصة، ولا تتوجّه المصالح الخاصة توجهًا يُضرّ بالعامة. تلك هي الموازين العادلة، والقوانين الناعمة، دونما إفراطٍ أو تفريط. والرقيب على ذلك كله هو الله وحده، خالق الإنسان ومعلّمه البيان، الذي يجب أن ينظر كلُّ أحدٍ إلى مرضاته، ويخشاه ولا يخشى سواه.

⚔️ مبارزةٌ بالأقلام

ورأيت أن من الأمانة والواجب على أي قارئٍ جيّد أن يكتب لمن لا يقرأون، ويُسمعهم بأسلوبه وميوله كلَّ ما قرأ، وللناس أن يقبلوه أو يرفضوه. وليس قبول الناس أن يفرضوا على أنفسهم ما قاله ذلك القارئ الكاتب فرضًا تعسفيًا يؤدي إلى حروبٍ وصراعات، وليس رفضهم أن يحبسوه بين جدران السجون مع المجرمين واللصوص وقطّاع الطرق، وليس من الواجب أن يشيّدوا سجونًا خاصة بالمثقفين.

فالمثقفون سجونهم المكاتب.. وهي ميدان مبارزاتهم؛
فمبارزة الكُتّاب لا تكون إلا بالأقلام، كما أن مبارزة القُرّاء لا تكون إلا بالكتب.

ولكني رغم كل ذلك سُجنت. وحدّثتُ صاحبَيَّ في السجن بهذا الحديث، فأنصتوا لي في عجب، فقد أخذ حديثي ألبابهم البسيطة أخذًا كأنما أسكرهم، فسألني أحدهم في سذاجة: "ولكن أيّ جريمةٍ اقترفتَها في كل كلامك هذا؟" فقلت له: لا أدري.. فقال الآخر في بلاهة: "وأنا أيضًا أكاد لا أصدّقك، ولكني سمعت أنهم يعتقلون الشيوعيين". فقلت له: ولكني لست شيوعيًّا. فقال الأول: "قد تكون إرهابيًّا مثلًا". فقلت: أنا في عمري لم أُمسك سلاحًا فضلًا عن استخدامه.

فقال الآخر في بلاهته المعهودة: "لا لا.. لا بد أنك محبوسٌ بالخطأ"، ونهض في جنونٍ ينادي على الحارس: "يا عسكري، معنا رجلٌ مفكّر وله عقليةٌ مثقفة، وليس شيوعيًّا وليس إرهابيًّا، فلماذا حبستموه بين المجرمين؟!" فهرول العسكري، وروى للضابط ما سمع، فأمر الضابط بحبس المثقف انفراديًا وقال: "إن حديثه مع المجرمين من الخطر بمكانٍ على الأمن العام". فجاء العسكري وشدّه من ذراعه زاعقًا: "تقدّم أمامي يا متهم، فقد أُمر بحبسك انفراديًا لكونك خطيرًا على الأمن العام".

🕊️ دار الأسير

فنظر الرجل إلى صاحبَيه مودّعًا: "وداعًا يا صاحبَيَّ في السجن.." فبكى كلاهما، ولم ينسيا ذكراه، وظلا يكتبان حديثه على جدران السجن، وعلى ملابسهما، وفي قلوبهما هو مكتوبٌ أيضًا. وخرجا إلى الحرية، وظلّ الشاب مسجونًا دهرًا طويلًا.

ذهبا إلى المكتبة، وقرأ كلٌّ منهما الكتب، وخرجا من السجن ليس كما دخلاه؛ فلم يُصلح فيهما السجنُ شيئًا، بل هو السجينُ المثقف جعلهما يخرجان يبحثان عمّا سُجن لأجله ذلك المسكين. وقد تثقّف كلٌّ منهما، وافتتحا دارًا للنشر، وحمل كلٌّ منهما على عاتقه رسالةَ ذلك الصاحب المؤثر: صاحب السجن. وأصدرت دارهما الكثير من الكتب التي تدعو إلى الإصلاح الاجتماعي، وتبنّتا شبابًا مهتمين بالتاريخ والسياسة والاقتصاد، بل والروائيين الذين يكتبون رواياتٍ هادفة.

ولكن هناك شيءٌ هو الأهم.. لقد كان اسم تلك الدار عجيبًا بحق؛ سمّياها: "دار الأسير". وكان كل إهداءٍ في كتابٍ يكتبانه لا بد أن يحمل اسمه، وكل حفلةٍ ومسابقةٍ تُقام برعايتهما لا بد أن تحمل اسمه.. وفاءً له. إنه صاحب السجن.

يا سيدي القاضي.. ويا حضرات المستشارين..
إنها الأجسادُ تُسجن.. ولكن العقولَ أبدًا لا تُعتقل أفكارها؛
فهي كالأرحام تحبَلها، وتأبى الأفكارُ إلا أن تُولد فتكون..
بأمرِ مَن إذا أراد شيئًا قال له كُن.. فيكون.. سبحانه.

تمّت،،

Tags

إرسال تعليق

0تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Accept !) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Learn More
Accept !
To Top