سر زوال الثروة المفاجئ: لماذا يسقط المشاهير فجأة؟

0


في الأيام الماضية تصدّر خبر  رجل الأعمال صبحي كابر المشهد، بعدما كشف في تصريحات صحفية عن أزمته المالية التي آلت إلى التحفظ على أمواله في عدة بنوك وعلى شقته، وتحدّث عن مبالغ طائلة لم يعد قادرًا على التصرف فيها، وعن وعكة صحية ألمّت به جراء الأزمة.. لم يكن الخبر مجرد "ترند" عابر، بل كان تذكيرًا صادمًا بحقيقة أزلية عاشتها البشرية منذ فجر التاريخ: أن المال مهما عظُم، فهو عارية زائلة لا ملك ثابت..

السلام عليكم معشر القراء، أحمد الله سبحانه بمحاسن صفاته وعظيم آﻻئه وأشكره بجزيل عطائه ونعمائه وأصلي وأسلم على محمد خاتم رسله إلى جميع خلقه..

لعلك تذكر قصة قارون التي أوردها القرآن الكريم، ذلك الرجل الذي آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، فبطر بنعمته، وخرج على قومه في زينته، حتى قال له أولو العلم منهم: "لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين"، فما كان جوابه إلا أن قال: "إنما أوتيته على علم عندي"..

لا أدري أي سر مكنون خلف تلك القصة التي راودني الشعور بأنها تمت بصلة لواقعنا الآن..

في هذا الزمن الذي تتوالى فيه أخبار من كانوا بالأمس في عليائهم، محاطين بالمال والجاه والأضواء، ثم نراهم اليوم يتحدثون عن الديون والحسابات المجمدة والأزمات الصحية.. والقاسم المشترك بين كل هذه القصص المتكررة عبر العصور هو أن المال إذا جاء فجأة، رحل فجأة، وكأن هناك ميزانًا خفيًا لا يرضى بأن يطول الطغيان..

وليت اﻷمر يتوقف على فرد بعينه.. بل هي سُنّة كونية تتكرر جيلًا بعد جيل، فتجد بعض الناس يرون في زوال الثروة المفاجئ عدلًا إلهيًا يشفي صدور من ظلمهم أصحابها بغرورهم، بينما يرى آخرون فيها مجرد "أزمة مالية عابرة" لا علاقة لها بميزان أخلاقي أو غيبي على الإطلاق..

أرض الزوال لم تُفرّق يومًا بين غني وفقير، ولا بين مشهور ومغمور..

بل جسّدت حقيقة واحدة قالها القرآن في خاتمة قصة قارون: "فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين"، ثم جاء التعقيب الأعمق: "وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر"..

وتلك الآية العظيمة تحمل مدلولًا خطيرًا جدًا بإسقاطها على واقعنا المعاصر، إذ يمكننا أن نلمح فيها طبيعة النفس البشرية التي تتمنى بالأمس ما تشمت به اليوم، دون أن تعتبر لنفسها..

وإني بعد كل هذه القصص المتكررة أتساءل كما تساءل كثيرون من قبلي: هل استطاعت تجربة الزوال هذه، بكل ما تحمله من عبرة ظاهرة للعيان، أن تصلح موازين الناس، وتحوّل نظرتهم للمال من غاية إلى وسيلة؟

اﻷمر ملحوظ، فعلى صعيد التعليقات والمنصات تطفح مشاعر الشماتة قبل العبرة، والفضول قبل الاتعاظ، وكأن الناس ينتظرون سقوط الآخرين ليشعروا للحظة بأنهم أفضل حالًا، دون أن يسألوا أنفسهم: وماذا لو كنت مكانه؟

وبعضهم يتحدث عن المال وكأنه ملك خالص للإنسان، لا وديعة زائلة استُخلف فيها لحين..

اﻷمر أخطر من مجرد أزمة مالية عابرة..

اﻷمر كشف عن حالة يمكن أن نسميها "غياب اليقين بالزوال"، وهي حالة لا يسلم منها غني ولا فقير، فالفقير يظن أن الغنى وحده كفيل بسعادته، والغني ينسى أن ما بيده عارية، لا ملك..

إنها لحظة يجب أن تعيد للإنسان وعيه بأن الثروة الحقيقية الباقية ليست فيما يُحصى بالأرقام، بل فيما يبقى بعد رحيل صاحبه: سمعة طيبة، أثر نافع، وعلم يُنتفع به..

فلا فرح يليق بمن ملك الدنيا وفرح بها..

ولا شماتة تليق بمن رأى غيره يفقدها..


إرسال تعليق

0تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Accept !) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Learn More
Accept !
To Top