ملف الساعة الثالثة
الساعة الثالثة
كانت الساعة الثانية وسبع عشرة دقيقة..
ولم يكن أمامنا سوى ثلاث وأربعين دقيقة للوصول إلى غرفة لم تظهر في خرائط القاهرة، داخل برج قيل إنه توقف عن ضبط الزمن منذ عشرين عامًا.
خرجنا من المصحة فوجدنا السيارة السوداء تنتظر. كان عم حسان خلف المقود، والملف الأسود فوق المقعد المجاور.
— اركبا… الساعة الثالثة لا تنتظر من مات ولا من عاد.
جلست إلى جواره، بينما صعدت ليلى إلى الخلف. انطلقت السيارة قبل أن أغلق الباب تمامًا.
— رأيتك خلف زجاج الأرشيف والنار تحيط بك.
— أمين الأرشيف يعرف أي الكتب مجوف من الداخل، قال. خرجت من ممر استُخدم لإدخال الورق أيام الحرب.
— والملف الأسود؟
— سرقته من سيارة فؤاد حين دخل المصحة. سيعرف خلال دقائق.
فتحت الملف. كانت صفحاته تحمل رسومات لساعة ضخمة واثني عشر صندوقًا، لكن الصفحة الأخيرة انتُزعت.
■ سباق مع عقارب لا نراها
كان المطر يضرب زجاج السيارة، والشوارع تمر حولنا مسرعة. أخرجت ليلى الخريطة التي وجدناها داخل قلادة أمي، ووضعتها فوق رسومات الملف.
— الغرفة الثالثة ليست في الطابق الثالث، قالت. إنها خلف الرقم ثلاثة نفسه في الساعة الكبرى.
— ولماذا لا تُفتح إلا عند الثالثة؟
— لأن العقرب عندها يبتعد عن الرقم ويكشف القفل.
قال عم حسان دون أن يحيد بعينيه عن الطريق:
— البرج كان يرسل نبضات التوقيت إلى ساعات مؤسسات كثيرة. عبد الرازق استخدم النبضة نفسها لتوزيع نسخة من اعترافات العملية. إذا اكتملت الأجزاء الاثنا عشر عند الثالثة، تُرسل إلى ثلاثة أرشيفات مستقلة.
— اعترافات؟ ظننت أننا نبحث عن قائمة أسماء.
— القائمة أُتلفت. أبوك رفض أن يضع حياة الناس في ملف واحد. ما بقي دليل يثبت من حاول سرقتها ومن قتل رجالها.
فهمت أخيرًا لماذا طارد فؤاد الملف كل هذه السنوات. لم يكن يريد أسماء العملاء فقط؛ كان يريد الدليل الوحيد على خيانته.
ظهرت خلفنا أضواء سيارة ثانية.
اقتربت حتى صارت على بعد أمتار، ثم حاولت تجاوزنا من اليسار. لم أرَ السائق، لكن فوق المقعد المجاور لمع رأس عصا فضية.
— كمال ما زال حيًا.
— المدينة الزجاجية دربته على النجاة من سقوط اسمه، قال عم حسان. لا تفترض موته حتى ترى وجهه بلا قناع.
انعطف بنا في شارع ضيق، واختفت السيارة الأخرى خلف حافلة ليلية. ظهر البرج أمامنا عند الثانية وأربعين دقيقة.
■ الغرفة خلف الرقم ثلاثة
كان البرج مهجورًا من الخارج، بابه الحديدي مغلق بسلاسل صدئة. لكن مفتاح 317 فتح قفلًا صغيرًا مخفيًا داخل الحجر.
دخلنا إلى غرفة تملؤها التروس. تحركت عجلات نحاسية أضخم من أجسادنا، بينما صعدت سلالم ضيقة حول قلب الساعة.
كل دقة كانت تهز الجدران.
وصلنا إلى مستوى الوجه الكبير. من الداخل بدت الأرقام نوافذ سوداء، وكان الرقم ثلاثة بابًا فولاذيًا خلفه عقرب الدقائق.
أدخلت المفتاح، لكنه لم يتحرك.
— ينقصنا الجزء الأول، قالت ليلى.
أخرجت الفيلم من قلادة أمي ووضعته في شق فوق القفل. أضاء خط رفيع، لكن الباب ظل مغلقًا.
— أين الأجزاء الأحد عشر الأخرى؟
فتح عم حسان الملف الأسود. كانت كل صفحة مصنوعة من طبقتين. فصل الأولى، فظهرت شرائط فيلم رفيعة مخبأة داخل التجليد.
— فؤاد حملها معه دون أن يعرف. كان يملك أحد عشر جزءًا، وينقصه ما أخفته مريم.
وضعنا الشرائط بالترتيب حول القفل. اكتملت دائرة تشبه وجه الساعة.
بقيت الدقيقة الأخيرة.
عند الثانية وتسع وخمسين، سمعنا خطوات تصعد السلم.
ظهر فؤاد النجار، وخلفه كمال حمدي. لم يحمل فؤاد سلاحًا ظاهرًا. كان يعرف أن الوقت نفسه يعمل لصالحه.
— اجتمعنا أخيرًا، قال. الابن، وأمين الأرشيف، والمرأة التي تسمع الأصوات الميتة.
— والجد الذي أراد قتل ابنته وحفيده.
لم يتغير وجهه.
— مريم اختارت يوسف ضد عائلتها ودولتها.
— اختارت الحقيقة ضدك.
تحرك العقرب مبتعدًا عن الرقم ثلاثة.
دقت الساعة دقتها الأولى.
دار المفتاح وحده.
■ الأجزاء الاثنا عشر
انفتح الباب، واندفعنا إلى الداخل. كانت الغرفة دائرية، موزعة كوجه ساعة. اثنا عشر صندوقًا زجاجيًا حول الجدران، ومسجل كبير في المنتصف.
أُضيئت الصناديق واحدًا بعد آخر. في كل منها تسجيل لرجل من رجال الصورة أو شاهد على العملية.
جاء صوت يوسف السيوفي أولًا:
— فؤاد النجار عرض السجل للبيع، ثم أمر بإغراق النداء حين عرفنا.
ثم صوت سالم الحقيقي:
— كمال حمدي حمل هوية العميل صفر ونفذ أوامر التصفية.
ثم صوت أبي:
أضاء الجهاز المركزي، وظهرت رسالة: «الشهادة الأخيرة ناقصة».
— أي شهادة؟
— شهادة الخائن بصوته، قال عم حسان. عبد الرازق صمم النظام ليكتمل باعتراف فؤاد نفسه.
دخل فؤاد الغرفة قبل أن نغلق الباب. بقي كمال في الخارج عند لوحة التروس.
— لن تحصلوا على اعتراف.
— لقد اعترفت منذ بدأت تبرر.
أشرت إلى المسجل. كان يعمل منذ فتح الباب.
ضحك فؤاد.
— لا يكفي أن تسمعوا صوتي. يحتاج النظام إلى العبارة التي اختارها عبد الرازق، ولن تعرفوها.
تذكرت أول عبارة فوق الصورة:
— واحد فقط من هؤلاء الرجال مات في موعده.
تجمد وجهه لحظة.
— من كان الرجل يا فؤاد؟
— يوسف.
— كذبت شهاداتكم جميعًا. قل الحقيقة.
— الرجل الوحيد الذي مات في موعده هو عبد الرازق!
أضاءت الدائرة كاملة.
بدأ الإرسال
■ ثلاث دقات للحقيقة
دقت الساعة للمرة الثانية، وبدأت بكرات التسجيل ترسل نسخًا عبر خطوط قديمة إلى ثلاث جهات مستقلة.
اندفع فؤاد إلى الجهاز، لكن عم حسان وقف في طريقه.
— حفظتُ أسماء موتاك ثلاثين سنة. لن أدعك تمحو أصواتهم في دقيقة.
في الخارج عبث كمال بآلية البرج. توقفت إحدى التروس، واهتزت الأرض. بدأ عقرب الدقائق يعود إلى الخلف.
— إذا عاد قبل الثالثة، يُلغى الإرسال، صاحت ليلى.
خرجت إلى غرفة الآلات، وتبعتها. وجدنا كمال فوق منصة التروس يحمل نصف عصاه المكسورة. أسقط قضيبًا معدنيًا داخل العجلة الرئيسية، فتصاعد الشرر.
نزعت ليلى القابس القديم من لوحة جانبية، وحولت النظام إلى البطارية الاحتياطية. عادت التروس إلى الحركة، لكن المنصة تحت كمال انكسرت.
تعلق بالحافة. مددت يدي إليه.
— بعد كل ما فعلته، ستنقذني؟
— أنقذك حتى تعيش باسمك الحقيقي أمام من سيحاسبك.
أمسك يدي، لكن قفازه انفلت، وسقط إلى مستوى سفلي بين التروس. لم أرَ جسده، وسمعت فقط ارتطام العصا بالأرض.
عدنا إلى الغرفة الدائرية.
كان فؤاد واقفًا أمام وجه الساعة الزجاجي، وعم حسان يراقبه. لم يعد الرجل العجوز يبدو خائفًا، بل متعبًا من حمل كذبته طويلًا.
— انتهت العملية.
— العمليات لا تنتهي، قال فؤاد. تتغير أسماء أصحابها فقط.
دقت الساعة للمرة الثالثة.
ظهرت فوق الجهاز كلمة واحدة: «تم».
وفي أسفل البرج ارتفعت أصوات سيارات توقفت حول المبنى. كانت الجهات الثلاث قد تلقت الملف وأرسلت رجالها.
نظر فؤاد من النافذة، ثم فتح باب صيانة صغيرًا خلف الرقم اثني عشر.
— ستبحث عني كما بحثت عن أبيك، يا نجيب. والفرق أنك لن تعرف إن كنت تريد قتلي أم سماع بقية الحقيقة.
اختفى في ممر ضيق قبل أن نصل إليه.
لم نطارده. كان الدليل قد خرج من قبضته، وهذه المرة لم يعد موته أو هربه قادرًا على محوه.
■ ما تركه صاحب الظل
بعد انتهاء الإرسال، انفتح الصندوق الثالث داخل الغرفة. لم نجد تسجيلًا، بل دفترًا أسود وقلم أبي وساعة جيبه.
كان فوق الدفتر مظروف يحمل اسمي. فتحته، فوجدت سطرًا واحدًا:
قلبت صفحات الدفتر.
كانت تحمل تفاصيل كل ما جرى لي: المظروف أمام الباب، الخزانة 317، القطار، الشقة 13، السفينة، المدينة الزجاجية، وحتى الرصاصة التي أوقفتها القلادة.
كل شيء مكتوب بخط أبي منذ عام 1974.
لكن الصفحات الأخيرة لم تكن قديمة. كان حبرها لا يزال لامعًا، وتاريخها يعود إلى الليلة نفسها.
وفي آخر صفحة وجدت وصفًا دقيقًا لنا ونحن نقف داخل الغرفة عند الثالثة.
ثم جملة لم تحدث بعد:
سيجد جثة فؤاد النجار في سيارته.
نزلنا مسرعين.
كانت السيارة السوداء عند الرصيف، بابها الخلفي مفتوحًا.
لم نجد جثة.
وجدنا فؤاد النجار حيًا، جالسًا في الظلام، ينتظرنا.
رفع عينيه إليّ وقال:
— أبوك لم يكتب هذا الدفتر يا نجيب.
— من كتبه؟
ابتسم، وأشار إلى الصفحة الأخيرة.
انتهى سباق الساعة…
لكن بقي أن أعرف مَن كتب نهايتي قبل أن أعيشها.
عنه السرية

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك