ملف الساعة الثالثة: قطار لا يتوقف في المحطات | الحلقة الثالثة

0
ملف قصصي متخيّل • رُفعت عنه السرية
العملية التي لم يَعُد منها صاحب الظل

ملف الساعة الثالثة

الحلقة الثالثة

قطار لا يتوقف في المحطات

رقم الملحق: 317/ق خط القاهرة — الإسكندرية 17 نوفمبر 1999 • 03:00 ص

كان المعدن باردًا خلف رأسي..

وصوت الرجل أكثر برودة:

«أعطني الصورة… قبل أن تموت في الموعد الخطأ.»

لم أتحرك. بقيت يدي داخل جيب معطفي، تقبض على الصورة القديمة، بينما انطفأت أنوار العربة وانطلق القطار من محطة مصر دون صفارة أو إعلان.

في الخارج كانت أضواء القاهرة تنسحب فوق زجاج النافذة كخيوط ممزقة. وفي الداخل لم أسمع سوى احتكاك العجلات بالقضبان، وأنفاس الرجل الجالس أمامي.

— إذا كنت تريد قتلي، فلماذا انتظرت حتى يتحرك القطار؟

جاءت ضحكته هادئة.

— لأن الرجل الذي يريد قتلك لا ينتظر أمامك يا نجيب.. بل يجلس خلفك.

ثم ابتعد المعدن عن رأسي، وعادت الأنوار مرتعشة.

التفتُّ، فلم أجد مسدسًا.

كان ما لامسني رأس عصا فضية يحملها الرجل في يده.


الصورة 13 — إعادة تصوير للحظة اللقاء الأول داخل العربة الأخيرة. الجسم المعدني كان رأس عصا لا سلاحًا.
الصورة 13 — إعادة تصوير للحظة اللقاء الأول داخل العربة الأخيرة. الجسم المعدني كان رأس عصا لا سلاحًا.

أنزل الرجل الجريدة عن وجهه تمامًا. كان في أواخر الستينيات، نحيفًا، مستقيم الظهر، يقطع حاجبه الأيمن أثر جرح قديم. قارنته في ذهني بالوجه السابع في الصورة؛ الزمن غيّر الجلد، لكنه لم يغير العينين.

— أخرج الصورة وضعها فوق الطاولة.

— وأنت أخرج اسمك وضعه بجوارها.

ابتسم للمرة الأولى.

— جيد.. عبد الرازق لم يربِّ صحفيًا فقط.

— لا تنطق اسم أبي كأنك تعرفه.

— عرفته أكثر مما عرفته أنت، وأقل مما كان ينبغي أن أعرفه.

وضعت الصورة فوق الطاولة، لكنني أبقيت إصبعين عليها. أخرج الرجل من جيبه نصف صورة ممزقة. كان نصفها الآخر يطابق طرف الصورة التي معي، وعند جمعهما اكتمل ختم دائري لم أره من قبل.

— اسمي سالم عز الدين. في سجلات الدولة متُّ يوم السابع عشر من نوفمبر 1967، في الثالثة صباحًا. لهذا قلت لك إنني الوحيد الذي مات في موعده.

— وبعد موتك؟

— قضيت اثنين وثلاثين عامًا أحاول أن أبقى حيًا بما يكفي لأشرح لك الجملة.

القطار المجهول 03:11 ص بعد مغادرة محطة مصر بإحدى عشرة دقيقة

■ الرجل الذي اتصل من قبره

وضعت أمامه المفتاح رقم 317، وساعة الجيب المتوقفة، والملف الأحمر الذي وجدته في الخزانة.

نظر إلى الأشياء، لكنه لم يلمسها.

— هل أنت الرجل الذي اتصل بي؟

— نعم.

— قلت إنك يوسف السيوفي.

— قلت إنني رجل مات منذ اثنين وثلاثين عامًا. أنت الذي نطقت باسم يوسف، وأنا لم أنكره.

— وأين يوسف؟

تحول بصره إلى النافذة.

— مات مرتين. الأولى حين كتبنا شهادة وفاته عام 1967، والثانية حين صدّق موته الحقيقي عام 1974 رجل كان ينبغي أن ينقذه.

— من ذلك الرجل؟

رفع عينيه نحوي.

— أبوك.

اندفعت واقفًا، فاهتزت الطاولة وتناثرت الأشياء.

— أنت تكذب!

— لهذا استدعيتك. ليس لأنك ابن عبد الرازق، بل لأنك صحفي. الابن سيدافع عن أبيه، أما الصحفي فعليه أن يشك فيه.

أعدت الأشياء إلى أماكنها وجلست. كان الغضب يدعوني إلى خنقه، لكن فضولي كان أشد قوة.


الصورة 14 — الأدلة الموضوعة أمام سالم عز الدين داخل القطار. بقي الملف الأحمر مغلقًا حتى هذه اللحظة.
الصورة 14 — الأدلة الموضوعة أمام سالم عز الدين داخل القطار. بقي الملف الأحمر مغلقًا حتى هذه اللحظة.

— لماذا هذا القطار؟ ولماذا لا يحمل رقمًا؟

— لأنه ليس قطار ركاب. عربتنا ملحقة بقطار بريد سريع، وستُفصل عنه قبل الإسكندرية. لا يظهر اسمك في كشوف المسافرين، ولا اسم الرجل الذي صعد خلفنا.

— أي رجل؟

أشار بعصاه إلى الباب المؤدي إلى العربة السابقة.

— صاحب النظارة السوداء. لم يركب من الرصيف. كان مختبئًا في عربة البريد قبل وصولك.

نظرت إلى الممر. كان خاليًا، لكن باب العربة اهتز مرة، كأن يدًا تركته حالًا.


■ ما أخفته عيون الرجال

أخرج سالم عدسة صغيرة ومصباحًا أزرق، ثم ثبت الصورة فوق لوح زجاجي كان داخل حقيبته.

— كل من بحث عن سر الصورة عدّ الوجوه. وهذه كانت الخدعة الأولى.

— وما الذي كان يجب أن نعدّه؟

— الأماكن التي لا ينظر إليها أصحاب الوجوه.

سلّط الضوء فوق عيون الرجال السبعة. بدت في حدقاتهم نقاط بيضاء صغيرة، ظننتها في البداية انعكاسًا لضوء التصوير. وعندما وضع ورقة شفافة فوقها، ظهرت النقاط كخريطة.


الصورة 15 — التكبير الجنائي للصورة؛ حُولت انعكاسات الضوء داخل العيون إلى إحداثيات موزعة على سبعة أجزاء.
الصورة 15 — التكبير الجنائي للصورة؛ حُولت انعكاسات الضوء داخل العيون إلى إحداثيات موزعة على سبعة أجزاء.

— قسم أبوك الرسالة إلى سبعة مفاتيح. كل وجه يحمل جزءًا، ولا تُقرأ الرسالة إلا من النسخة الثامنة.

— ماذا تقول؟

حرك الورقة فوق الصورة حتى اتصلت النقاط، فظهرت كلمات قصيرة:

الرسالة المستخرجة من الصورة ليس في الوجوه
ابحثوا عمّن اختار الإطار

— المصور؟

— لا. الرجل الذي أمر بالتقاط الصورة: الدكتور فؤاد النجار.

تذكرت نظرات فؤاد المنحرفة ناحية وجه أبي، وتوقيعه في أخبار الأرشيف.

— هل فؤاد هو الخائن؟

— لو كنت أعرف، لما بقيت مختبئًا كل هذه السنوات. لدينا أدلة تقول إنه باع المجموعة، وأدلة أخرى وضعها أبوك تقول إنه كان الطُّعم. والمشكلة أن والدك كان آخر من حمل السجل الحقيقي.

— أي سجل؟

خفض سالم صوته:

— قائمة بأسماء رجال ونساء عملوا في الخارج دون غطاء رسمي. بعد يونيو 1967 حاولت شبكة أجنبية شراء القائمة. كانت قيمتها أكبر من المال؛ من يملكها يستطيع ابتزاز دول، وإسقاط رجال، وإيقاظ خلايا نامت عشرات السنين.

— وعملية الساعة الثالثة؟

— كانت خطة لاستعادة القائمة واستبدالها بنسخة كاذبة. سبعة رجال ظهروا في الصورة، ورجل ثامن أدارهم من الظل. أبوك.

نظرت إلى الملف الأحمر.

— هل هذه هي القائمة؟

— هذه هي الإجابة التي يريدها الرجل خلف الباب.

جاء صوت ارتطام من العربة السابقة، ثم انطفأت لمبة الممر وحدها.

— أغلق حقيبتك، قال سالم. لقد انتهى وقت الأسئلة.

■ الراكب الذي لم يشتر تذكرة

فتح باب العربة ببطء، ودخل محصل يرتدي زي السكك الحديدية. كان قبعته منخفضة فوق وجهه.

— التذاكر من فضلكم.

أخرجت تذكرتي القديمة، لكنه لم ينظر إليها. كانت عيناه فوق الحقيبة.

— هذه الرحلة لا تحتاج إلى تذاكر، قال سالم.

رفع الرجل رأسه. كان صاحب النظارة السوداء.

— لكنها تحتاج إلى نهاية.

مد يده إلى جيبه. وفي اللحظة نفسها ضرب سالم بعصاه مصباح السقف، فعادت العربة إلى الظلام.

سمعت صرخة وارتطامًا بالطاولة. أمسكت الحقيبة واندفعت نحو باب الممر. أمسكت يد بمعطفي، فخلعته وتركت صاحبه يسقط فوق المقعد.

عبرت إلى العربة التالية. كانت أكياس البريد مكدسة حتى السقف، والممر بينها لا يتسع إلا لجسد واحد. سمعت سالم خلفي يصيح:

— لا تدعه يأخذ المفتاح!

ظهر الرجل بين الأكياس. دفعت عربة معدنية صغيرة في طريقه، فقفز فوقها واستمر. لم يكن يريد قتلي؛ كان يستطيع ذلك أكثر من مرة. كان يريد الحقيبة.

بلغت نهاية العربة، فوجدت الباب الخارجي مغلقًا. لم يبقَ إلا السلم الحديدي المؤدي إلى الممر المكشوف بين العربتين.

فتحته.

صفعتني الريح والمطر معًا. كان القطار يشق الظلام بسرعة، والقضبان تحت قدمي تهدر كأن الأرض تنهار.


الصورة 16 — موضع الانتقال بين عربتي البريد؛ عُثر لاحقًا على زر من معطف نجيب عالقًا في الحاجز الحديدي.
الصورة 16 — موضع الانتقال بين عربتي البريد؛ عُثر لاحقًا على زر من معطف نجيب عالقًا في الحاجز الحديدي.

انتقلت إلى العربة التالية متشبثًا بالسياج. خرج الرجل خلفي، ومد يده إلى الحقيبة. ضربته بها، فانقطع حزامها وكاد الملف الأحمر يسقط بين العجلات.

أمسكه الرجل قبل سقوطه.

وقف مبتسمًا، يحمل الملف في يد ويتشبث بالباب بالأخرى.

— مات أبوك من أجل هذا، وأنت سلمته إليّ في نصف ساعة.

جاء صوت سالم من خلفه:

— عبد الرازق مات لأنه كان يعرف أن الطامع يرى الغلاف ولا يقرأ الكتاب.

ضرب بعصاه ذراع الرجل، فسقط الملف داخل العربة لا تحت القطار. اندفع صاحب النظارة وراءه، بينما جذبني سالم وأغلق الباب الحديدي بيننا وبينه.

ثم أدار عجلة جانبية حمراء.

اهتزت الوصلة بعنف.

— ماذا فعلت؟

— فصلت عربة البريد.

رأينا من النافذة العربة التي تحمل الرجل تبتعد تدريجيًا في الظلام، بينما واصل قطارنا طريقه.

— هل مات؟

— الرجال مثله لا يموتون حين يسقطون.. يموتون حين يتوقف أحد عن الخوف منهم.


■ الملف الذي يقرأه اللهب

عدنا إلى العربة الأخيرة. استعدنا الملف الأحمر، لكن الماء اخترق غلافه. فتحه سالم هذه المرة.

كان يحتوي على عشرات الأوراق البيضاء.

— فارغ؟

— الحبر الذي استخدمه أبوك لا يظهر للعين.

أخذ ورقة إلى الحوض المعدني الصغير في نهاية العربة، وأشعل طرفها. اعترضت، لكنه ترك اللهب يقترب من المنتصف. ومع الحرارة ظهرت خطوط بنية خافتة فوق الورق.


الصورة 17 — تجربة إظهار الحبر الحراري داخل القطار؛ لم تنجُ من الملف إلا ورقة واحدة مشفرة.
الصورة 17 — تجربة إظهار الحبر الحراري داخل القطار؛ لم تنجُ من الملف إلا ورقة واحدة مشفرة.

لم تكن أسماء. كانت أبياتًا شعرية وقواعد نحوية كتبها أبي بخطه، من النوع الذي كان يمليه عليّ وأنا طفل.

— هل تفهمها؟

— كل سطر يبدأ بفعل ناقص، إلا السطر الثالث عشر.

قرأت الحروف الأولى من الكلمات المستثناة، فتكونت عبارة:

النص الظاهر بالحرارة الإسكندرية — المنشية
الشقة رقم 13

وفي أسفل الورقة رسم أبي مفتاحًا صغيرًا، وتحته الرقم 317.

— المفتاح ليس للخزانة وحدها.

— لم يكن شيء يتركه أبوك يؤدي وظيفة واحدة.

هدأ القطار فجأة. لم نتوقف في بنها ولا طنطا ولا دمنهور. مررنا بالمحطات كأنها صور معلقة خارج النافذة، لا يدخلها أحد ولا يخرج منها أحد.

وقبل الفجر بقليل، انحرف القطار إلى خط جانبي غارق في الضباب. ظهرت رائحة البحر قبل أن تظهر الإسكندرية.

توقفنا أمام مبنى إشارة مهجور لا يحمل اسمًا.


الصورة 18 — موقع التوقف غير المسجل قرب الإسكندرية. لم ترد الرحلة في جداول هيئة السكك الحديدية لذلك اليوم.
الصورة 18 — موقع التوقف غير المسجل قرب الإسكندرية. لم ترد الرحلة في جداول هيئة السكك الحديدية لذلك اليوم.

ناولني سالم ظرفًا بنيًا كُتب عليه الرقم 13.

— ستذهب وحدك. صاحب الشقة يعرف وجهك، لكنه لا يعرف أنك ما زلت حيًا.

— ومن صاحب الشقة؟

— رجل دفنه أبوك سنة 1974.

— يوسف السيوفي؟

لم يجب.

— قلت إن يوسف مات فعلًا.

— قلت إننا وجدنا جثته. لم أقل إن الوجه كان موجودًا.

هبطت من القطار، ثم التفتُّ إليه.

— هل سأراك مرة أخرى؟

— إذا أخطأت، ستراني قبل موتك. وإذا نجحت، فلن تحتاج إلى رؤيتي.

تحرك القطار ببطء واختفى داخل الضباب.

فتحت الظرف.

وجدت عنوان عمارة قديمة في المنشية، وصورة لباب يحمل الرقم 13، ومفتاحًا نحاسيًا ثانيًا.

لكن خلف الصورة كانت هناك ملاحظة بخط أبي:

«يا نجيب… إذا وجدتني داخل الشقة، فلا تصدق أنني أبوك.»

قلبت الورقة، فوجدت تاريخ كتابة الرسالة.

لم يكن عام 1974.

كان التاريخ:

تاريخ الرسالة 14 نوفمبر 1999
قبل وصول المظروف إلى شقتي بثلاثة أيام
نهاية الإفادة الثالثة

كان أبي قد مات منذ خمسة وعشرين عامًا…
فمن الذي كتب الرسالة قبل ثلاثة أيام؟

رُفعت
عنه السرية

يتبع في الحلقة الرابعة

الشقة رقم 13

ملف الساعة الثالثة • قصة خيالية بصياغة وثائقية
بقلم محمد صلاح عبد الخالق
Tags

إرسال تعليق

0تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Accept !) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Learn More
Accept !
To Top