ملف الساعة الثالثة
الصورة ذات الوجوه السبعة
لم تكن المشكلة أن أبي ظهر في صورة لا ينبغي أن يكون فيها..
المشكلة الحقيقية أن رجلًا آخر في الصورة كان ينظر إليه!
عدت إلى شقتي بعد اختفاء السيارة السوداء، وأغلقت الباب خلفي بالمفتاح والمزلاج، ثم أسندت ظهري إليه كأن خشبه الضعيف يستطيع أن يحميني من حقيقة عبرت اثنين وثلاثين عامًا حتى تصل إليّ.
وضعت شاهد القبر الصغير فوق المكتب، وبجواره شهادة وفاة يوسف السيوفي، والمفتاح رقم 317، والصورة القديمة.
كانت الأشياء الأربعة صامتة.. لكن صمتها كان يشبه صمت أربعة شهود اتفقوا على إخفاء الجريمة.
أمسكت الصورة من حافتيها، وقربتها من مصباح المكتب. سبعة رجال يقفون أمام مبنى غريب، ووجه أبي يطل من النافذة خلفهم. لكن شيئًا لم أنتبه إليه في المرة الأولى استوقفني الآن.
الرجل الثالث من اليمين لم يكن ينظر إلى عدسة المصور.
كان الجميع يواجهون الكاميرا إلا هو.. كانت عيناه منحرفتين قليلًا نحو النافذة، نحو الموضع الذي انعكس فيه وجه أبي، وكأنه كان يعرف أنه يقف هناك.
قلبت الصورة، وقرأت العبارة مرة أخرى:
وتحت الضوء المائل ظهر ما لم أره ليلًا: ختم صغير باهت عند الركن السفلي. لم يبقَ منه سوى كلمات متقطعة:
نسخة رقم 8
نسخة رقم ثمانية؟
إذا كانت الصورة قد طُبعت في ثماني نسخ، فلمن وُزعت النسخ السبع الأخرى؟ ولماذا وصلت هذه النسخة إليّ الآن؟
فتحت دليل الهاتف القديم الذي كنت أحتفظ به منذ أيام عملي في الصحافة، وبحثت عن كل محل تصوير يحمل اسم «النور». وجدت خمسة. ثلاثة أغلقت، والرابع تحول إلى متجر للملابس، أما الخامس فكان في شارع جانبي متفرع من شارع عماد الدين.
وقبل أن أقرر الذهاب إليه، أردت أن أعرف الرجال الذين سأبحث عنهم.
والصحفي حين تضيق أمامه الطرق، يعود إلى المكان الذي تحفظ فيه الجرائد أكاذيب الناس واعترافاتهم معًا.. الأرشيف.
■ الأسماء التي أكلها الحبر
في التاسعة صباحًا كنت أعبر باب المؤسسة الصحفية التي قضيت فيها ثمانية عشر عامًا. لم يتعرف إليّ حارس البوابة الجديد، ولم ألمه؛ فالصحف مثل المدن، تنسى أبناءها بسرعة حين يتوقفون عن خدمتها.
أما عم حسان، أمين الأرشيف، فعرف وقع خطواتي قبل أن يراني.
— نجيب بيه؟! قلت إنك لن تعود إلى هنا ولو حملوك على الأكتاف.
— يبدو أنهم نسوا أن يحملوني يا عم حسان، فجئت بقدمي.
ضحك، ثم نظر إلى الصورة التي أخرجتها من جيبي، فتغير وجهه.
— من أين أتيت بهذه؟
— هل تعرفها؟
— لا أعرفها.. لكنني رأيت الرجل الذي في المنتصف.
وأشار إلى رجل عريض الجبهة، يمسك قفازًا بيده اليسرى.
— كان اسمه فؤاد النجار. كتبوا عنه كثيرًا في السبعينيات. خبير وثائق أو أستاذ جامعي.. لا أذكر.
طلبت ملفات الأعوام من 1966 إلى 1975. هبطنا إلى القبو، حيث رائحة الورق القديم أثقل من الهواء، وحيث ينام التاريخ مربوطًا بخيوط قماش فوق رفوف من الحديد.
وجدنا أول خبر بعد ساعة من البحث. صورة صغيرة لفؤاد النجار يصافح وفدًا أجنبيًا، وتحتها تعريف مقتضب:
من أرشيف الأخبار — 1966
الدكتور فؤاد النجار، مستشار قسم المحفوظات والترجمة، يشارك في مؤتمر دولي لحماية الوثائق التاريخية.
كان هو الرجل الثالث الذي ينظر إلى أبي.
ثم عرفنا الرجل الواقف في الطرف الأيسر: كمال حمدي، موظف دبلوماسي توفي في حادث سيارة سنة 1968. وعرفنا الرابع: عزت البكري، مترجم اختفى أثناء رحلة بحرية سنة 1971.
أما يوسف السيوفي، صاحب شهادة الوفاة، فلم نجد له صورة واحدة.
كان اسمه يظهر في خبر تعيين، ثم يختفي. لا نعي، لا صورة جنازة، لا خبر عن أسرة تتلقى العزاء. مات على الورق فقط، وكأن الرجل لم يكن له وجه.
وبين صفحات عدد قديم يعود إلى أكتوبر 1974، وجدت الخبر الذي دُسّ تحت بابي: مصرع يوسف السيوفي في عاصمة أوروبية.
لكن النسخة المحفوظة في الأرشيف كانت مختلفة.
في المساحة التي احتلها الخبر عندي، لم يكن هناك خبر وفاة، بل إعلان صغير عن بيع أثاث!
كانت مصنوعة بعناية؛ الخط نفسه، والورق من العمر نفسه، لكنها خبر زُرع داخل ماضٍ لم يحدث.
حينها فهمت أن من أرسل المظروف لم يكن يقدم لي أدلة فقط.. كان يختبر قدرتي على كشف الأدلة المزيفة.
— هناك شيء آخر يا نجيب بيه.
قالها عم حسان وهو يقلب سجل استعارة المجلدات.
— هذه الأعداد طلبها شخص قبلك بثلاثة أيام.
— من؟
أدار السجل نحوي. كان الاسم مكتوبًا بخط واضح:
التوقيع: 14 نوفمبر 1999
كان ذلك اسم أبي.
أبي الذي مات قبل خمسة وعشرين عامًا، عاد إلى أرشيف الصحيفة قبل ثلاثة أيام من وصول المظروف!
■ ستوديو لا يصور الأحياء
غادرت المؤسسة دون أن أخبر عم حسان إلى أين أذهب. وعند الرصيف المقابل رأيت السيارة السوداء مركونة تحت شجرة. لم أرَ السائق، لكن دخان سيجارته كان يصعد من نافذة مفتوحة قليلًا.
استقللت سيارة أجرة، وطلبت من السائق أن يتجه إلى العتبة، ثم ترجلت قبل الوصول وسرت في شوارع جانبية حتى بلغت العنوان.
كان «ستوديو النور» أضيق مما تخيلت. واجهته مغطاة بصور عرسان شاخت ألوانهم، وفوق الباب جرس نحاسي لا يصدر إلا أنينًا ضعيفًا.
وجدت خلف المنضدة رجلًا مسنًا، أبيض الشعر، يرتدي نظارة سميكة. وحين رأى الصورة في يدي، أغلق باب المحل وقلب لافتته إلى كلمة «مغلق».
— تأخرت كثيرًا يا ابن عبد الرازق.
لم أسأله كيف عرفني. لم يعد هذا السؤال هو الأكثر غرابة في يومي.
— من أنت؟
— ميخائيل حنا. كنت أطبع الصور التي لا يريد أصحابها أن يتذكرها أحد.
قادني إلى غرفة التحميض الخلفية. أضاء مصباحًا أحمر، وأخرج من خزانة حديدية صندوقًا من الخشب. فتحه بقفازين قطنيين، ثم رفع لوحًا زجاجيًا أمام الضوء.
ظهر الرجال السبعة في السالب أوضح من الصورة. المبنى، الدرج، النافذة، وحتى ساعة في الداخل كانت عقاربها تشير إلى الثالثة.
— التقطت هذه الصورة في مارس 1967، قال ميخائيل. لم يخبروني بأسمائهم. جاءني الفيلم رجلٌ اسمه يوسف، ودفع ثمن ثماني نسخ. اشترط أن أسلم كل نسخة إلى صاحب الوجه الموجود فيها.
— لكن الصورة تجمعهم جميعًا.
— ليست النسخ متطابقة.
أخرج سبع صور صغيرة. في كل نسخة كان وجه أحد الرجال محددًا بدائرة دقيقة لا تظهر إلا تحت ضوء أحمر.
— كل رجل أخذ صورة تشير إليه. أما النسخة الثامنة فلم يكن فيها أي وجه محدد. كانت للأرشيف.. أو للقبر، كما قال يوسف.
— وأبي؟ الرجل المنعكس في النافذة؟
اقترب ميخائيل من السالب، ثم نظر إليّ طويلًا.
— أبوك لم يكن خلف النافذة.
— أنا أراه أمامي!
— لأنك تنظر إلى النسخة المعدلة، لا إلى اللحظة الحقيقية.
وضع السالب فوق طاولة مضيئة وأعطاني العدسة.
نظرت حيث يفترض أن يظهر وجه أبي، فلم أجد شيئًا. كانت النافذة فارغة.
لكن عند الطرف الأيمن من الصورة ظهرت كتف رجل قُشط بقية جسده من السالب بآلة حادة.
— كان أبوك واقفًا بجانبهم، لا خلفهم، قال ميخائيل. طلب مني يوسف أن أمحو جسده، ثم أضع انعكاس وجهه في النافذة عند طبع النسخة الثامنة.
— لماذا؟
— حتى يبدو مراقبًا للمجموعة، لا واحدًا منها.
وأشار إلى فؤاد النجار، الرجل الذي كانت عيناه منحرفتين ناحية النافذة.
— هذا الرجل وحده رفض استلام نسخته. قال إن الصورة بها ثمانية رجال، وإن أحدهم سُرق منها.
— وهل عرفت من كان الرجل الثامن؟
— عرفت اسمه الحركي فقط.
ثم كتب بإصبعه فوق غبار الطاولة كلمة واحدة:
الظل
مد ميخائيل يده داخل الصندوق، وأخرج شريط فيلم صغيرًا ملفوفًا بورق أسود.
— ترك أبوك هذا لك. قال إنك ستأتي حين ترى وجهه في المكان الخطأ.
وقبل أن ألمس الشريط، انطفأ المصباح الأحمر.
سمعنا صوت الجرس النحاسي عند باب المحل.. ثم وقع قدمين.
— خذ السالب واخرج من الباب الخلفي!
— وأنت؟
— أنا رجل عجوز قضى عمره يحبس الناس داخل الصور. حان الوقت لأخرج من واحدة.
دفع الشريط والسالب في يدي، ثم فتح بابًا خلف ستارة سوداء. خرجت إلى ممر ضيق، وما إن ابتعدت خطوات حتى سمعت صوت زجاج يتحطم.
ثم سمعت ميخائيل يصيح:
ركضت في الأزقة وأنا أضم الظرف إلى صدري. ظهر رجلان خلفي. لم يسرعا في البداية؛ كانا واثقين أن الشوارع ستسلمني إليهما.
انعطفت بين دكاكين قطع الغيار، ثم عبرت شارعًا مزدحمًا قبل أن تغلق الإشارة. كادت سيارة تصدمني، وتعالت الشتائم من حولي، لكنني لم أتوقف.
دخلت سينما قديمة من بابها الأمامي، وخرجت مع عمالها من باب جانبي، ثم ركبت أول حافلة تحركت أمامي.
لم أفتح الظرف إلا بعد ساعة، داخل مقهى بعيد في شبرا.
كان شريط الفيلم يحتوي على ثلاث لقطات فقط.
الأولى للصورة الجماعية قبل حذف أبي منها.
الثانية لواجهة مبنى عليه ساعة كبيرة.
والثالثة لرجل يقف فوق رصيف محطة، يحمل حقيبة سوداء. كان وجهه غير واضح، لكن في الزجاج خلفه ظهر انعكاس فؤاد النجار.
وبجوار إطار اللقطة الأخيرة، حفر أبي بإبرة ثلاثة أرقام:
المحطة • الثالثة • الرصيف الأخير
في تلك اللحظة اقترب صبي يبيع الصحف من طاولتي، ووضع أمامي جريدة مطوية.
— لم أطلب جريدة.
— الرجل الذي عند الباب دفع ثمنها.
التفتُّ فلم أرَ أحدًا.
فتحت الجريدة، فسقطت منها تذكرة قطار قديمة، صالحة لرحلة تلك الليلة من القاهرة إلى الإسكندرية. لم تحمل رقم قطار، ولم يُكتب عليها موعد المغادرة.
على ظهرها جملة واحدة:
■ الخزانة 317
وصلت إلى محطة مصر قبل منتصف الليل. لم أذهب مباشرة إلى الطابق السفلي، بل جلست في المقهى المقابل أراقب المداخل والوجوه.
رأيت الرجل صاحب النظارة السوداء مرتين: مرة قرب شباك التذاكر، ومرة منعكسًا في زجاج ساعة المحطة. لم يكن يبحث عني.. كان ينتظر أن أقوده.
عند الثانية وخمسين دقيقة تحركت.
هبطت السلم إلى ممر الخزائن. كانت الأرقام تتتابع فوق الأبواب المعدنية: 311، 312، 313… حتى وصلت إلى 317.
أدخلت المفتاح.
دار مرة واحدة، لكن الباب لم يفتح.
تذكرت الأرقام المحفورة فوق الفيلم: 3 — 1 — 7. أدرت المفتاح ثلاث مرات إلى اليمين، مرة إلى اليسار، ثم سبع نقرات قصيرة.
صدر طقطقة خافتة، وانفتح الباب.
لم أجد قنبلة.
ولم أجد السجل الذي تخيلته.
وجدت ملفًا أحمر، وساعة جيب متوقفة عند الثالثة، وجهاز تسجيل صغيرًا.
وضعت السماعة في أذني وضغطت الزر.
خرج صوت خشن من بين الشوشرة. احتجت ثواني لأعرفه، رغم أنني لم أسمعه منذ خمسة وعشرين عامًا.
— يا نجيب.. إذا كنت تسمعني الآن، فمعنى ذلك أنني فشلت في إبقائك بعيدًا.
كان صوت أبي.
— لا تفتح الملف الأحمر داخل المحطة. ولا تثق في الرجل الذي يعرف عدد الوجوه. خذ قطار الإسكندرية في الثالثة تمامًا، واجلس في العربة الأخيرة. سيأتيك رجل بلا تذكرة. أعطه الصورة.. ولا تعطه المفتاح.
ثم انقطع التسجيل لحظة، وعاد صوت أبي أضعف:
سمعت باب الممر الحديدي يُفتح خلفي.
أغلقت الخزانة، ووضعت الملف والساعة في حقيبتي، ثم صعدت إلى الرصيف الأخير.
كان القطار ينتظر تحت المصابيح الصفراء كحيوان أسود طويل حبس أنفاسه. لم يظهر رقمه فوق اللوحة، ولم يقف عند أبوابه محصل أو عامل.
صعدت إلى العربة الأخيرة.
كانت خالية إلا من رجل يجلس في آخر مقعد، يخفي وجهه خلف جريدة.
تحرك القطار عند الثالثة تمامًا.
لم تصدر صفارة، ولم يعلن أحد عن الرحلة.
وضعت يدي فوق الصورة داخل جيبي، وانتظرت أن يتكلم الرجل.
أنزل جريدته ببطء.
كان وجهه هو الوجه السابع في الصورة القديمة.
لم يتغير إلا قليلًا، مع أن الصورة التُقطت قبل اثنين وثلاثين عامًا.
— تأخرت يا ابن صاحب الظل.
قلت وأنا أراقب يديه:
— من أنت؟
ابتسم، ثم نظر إلى حقيبتي حيث أخفيت الملف الأحمر.
— أنا الرجل الوحيد الذي مات في موعده.
وفي اللحظة نفسها انطفأت أنوار العربة.
وشعرت ببرودة معدن تستقر خلف رأسي.
ثم قال الرجل في الظلام:
«أعطني الصورة… قبل أن تموت في الموعد الخطأ.»
عنه السرية

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك