غرفة الميزان
مَن يحاكم القاضي؟
لم يكن السؤال كيف يمنع آدم مقتل سلمى..
بل كيف يمنع جريمة يملك خصمه فيلمًا يثبت أنها وقعت غدًا.
حين يستطيع القاضي صناعة الماضي، يصبح كل دفاع اعترافًا مؤجلًا.
أغلق فارس أبواب المحكمة القديمة، بينما عالجت سلمى جرح شريف. كانت الرصاصة قد عبرت كتفه دون أن تصيب العظم، لكن يوسف وهبة اختفى، والفيلم الذي يصور مقتل سلمى سُرق.
بقيت نسخة واحدة: ستة إطارات احترقت حوافها داخل جهاز العرض.
آدم: لن أبقى قرب سلمى غدًا. إذا لم أدخل الشقة، يسقط الفيلم.
سلمى: أو يأخذون ملابسك، صوتك، وبصماتك، ويضعون رجلًا يشبهك.
فارس: الغرفة لا تحتاج إليك كي تجعلك قاتلًا. هذه أهم خدمة تقدمها.
قال شريف بصوت ضعيف إن كلمة «القاضي» لا تشير إلى منصب، بل إلى مؤسس النظام؛ الرجل الوحيد الذي يملك مفتاح الأرشيف الأصلي ويستطيع اعتماد حكم دون تصويت.
آدم: قلت إنك لا تعرف اسمه.
شريف: لا أعرفه. لكنني قابلته كل عام خلف حاجز، وكان يسأل سؤالًا واحدًا قبل كل قرار: أيهما أقل ظلمًا؟
■ الوجه المختبئ في انعكاس
فحصت سلمى الإطارات الستة تحت ضوء منخفض. لم يظهر وجه الرجل الذي وضع الملف، لكن زجاج خزانة خلفه حفظ انعكاسًا صغيرًا ليده.
في إصبعه خاتم يحمل ميزانًا مكسورًا.
أعاد فارس تكبير صورة التقطها داخل البيت الأول. ظهر الخاتم نفسه في يد رجل يقف بجوار كمال نجيب قبل ثلاثين عامًا.
سلمى: هذه يد الدكتور يوسف.
آدم: كان أسيرًا في البيت.
فارس: وكان الرجل الوحيد الذي قادنا منه إلى هنا، ثم اختفى لحظة سرقة الفيلم.
فتح شريف عينيه حين رأى الصورة.
شريف: يوسف كان المستشار العلمي للجنة الأولى. قيل لنا إنه انسحب بعد القضية صفر.
سلمى: لم ينسحب. اختبأ في دور الشاهد.
كان يوسف هو مَن وجههم إلى القرية، وهو مَن شرح معنى دم سلمى، وهو مَن أعلن اختطافه دون شاهد. كل طريق ظنوه كشفًا اختار هو نهايته.
وصلت طرقات ثلاث إلى الباب السفلي: اثنتان متقاربتان، ثم واحدة. إشارة قديمة بين آدم وحسام.
■ عودة الميت للمرة الثانية
دخل حسام مبتلًا، مصابًا في جبهته، يحمل حقيبة معدنية انتشلها من غرفة الميزان قبل غرقها.
آدم: تركتنا نظن أنك مت.
حسام: للمرة الثانية فقط. بدأت أفقد موهبتي.
أخرج سجلًا ميكانيكيًا لا يمكن تعديله عن بعد. آخر شخص دخل غرفة التحكم قبل الإغلاق استخدم رمزًا يحمل الأحرف: ي. و.
سلمى: يوسف وهبة.
حسام: الرجل الذي أنقذني من البيت الأخضر، ثم رباني كي أصبح عين الغرفة داخل الشرطة.
اعترف حسام بأن يوسف أقنعه أن الغرفة وُجدت لمنع إفلات المجرمين. وعندما اكتشف أن ناصر هلال أُعدم بدلًا من قاتل أسرة حسام، ادعى يوسف أن التضحية برجل واحد حمت أسرار الدولة ومنعت فوضى أكبر.
حسام: عندها فهمت أن الميزان لا يقيس العدالة. يقيس مقدار الكذب الذي يستطيع الناس احتماله.
في الحقيبة كان مخطط المحكمة القديمة. تحت قاعتها مسرح مطابق للشقة الظاهرة في فيلم الغد.
آدم: لن ننتظر الجريمة.
سلمى: سنعقد المحاكمة قبلها.
■ المحكمة المضادة
وضعوا خطة من ثلاث طبقات. يوصل فارس كاميرات المحكمة بخط بث مستقل، ويسجل حسام اعترافه على شرائط متعددة، ويقدم شريف أصل أمر القبض وشهادته أمام وكلاء نيابة وصحفيين يختارهم آدم دون إعلان المكان.
أما سلمى فترسل تقريرها العلمي عن المركب إلى سبعة معامل في اللحظة نفسها.
شريف: ستفضحون مئات القضايا دفعة واحدة.
فارس: مئات القضايا التي دفنت أخي تحت واحدة منها.
آدم: لن ننشر أسماء الضحايا أو المتهمين. سننشر طريقة التزوير وسلسلة الأوامر فقط.
عند الثامنة مساءً، بدأت الأضواء تشتعل وحدها داخل القاعة. أُغلقت الأبواب، وارتفع حاجز زجاجي حول منصة القاضي.
ظهر يوسف وهبة مرتديًا عباءة سوداء.
يوسف: نجحتم في الوصول إلى الجلسة الأخيرة.
سلمى: قتلت أبي؟
يوسف: أبوك قتل نفسه عندما حاول تحويل اعترافه إلى بطولة.
حسام: وناصر هلال؟
يوسف: كان بريئًا من قتل أسرتك، مذنبًا في جريمة أخرى لم نستطع إثباتها.
فارس: إذن أعدمتموه بجريمة مناسبة!
يوسف: عاقبناه حين عجز القانون.
أشار آدم إلى الكاميرات.
آدم: سجلنا اعترافك.
يوسف: وأنا صنعت الكاميرات التي تسجلون بها.
انطفأت مؤشرات البث واحدًا بعد آخر. كان يوسف قد حول الخط المستقل إلى دائرة تعيد التسجيل إليهم.
يوسف: لا يحاكم القاضي شهود اختار هو طريقهم وأدلتهم.
■ التاسعة إلا دقيقة
فُتحت أرضية القاعة تحت سلمى، فسقطت إلى المسرح السفلي. أُغلق الزجاج فوقها، وبدأت الشقة المستقبلية تعمل: الساعة، الكاميرات، عينة الدم، ومعطف آدم فوق مجسم آلي يتحرك في الممر.
حاول آدم كسر الزجاج، بينما وجد فارس لوحة التحكم خلف منصة الشهود.
يوسف: بعد دقيقة ستسجل الكاميرا آدم وهو يدخل، ثم يجدون دمه على مقبض الأداة ويد سلمى فوقها.
سلمى: حتى لو متُّ، لن يصبح فيلمك حقيقة.
يوسف: الحقيقة هي النسخة التي تصل أولًا.
عند الثامنة وتسع وخمسين دقيقة، وضع حسام كفه على ماسح قديم.
حسام: صنعتني موظفًا في الغرفة. نسيت أن تلغي صلاحياتي.
فتح باب الطوارئ. اندفع آدم إلى الداخل، لكنه توقف بعيدًا عن كل موضع ظهر فيه بالفيلم.
أما فارس فغيّر عقربي الساعة إلى التاسعة ودقيقة قبل الموعد الحقيقي. تلقى النظام إشارة اكتمال الجريمة، ففتح حجرة الأدلة كي ينقل العينات.
نزعت سلمى أنبوب دمها، ووضع حسام مكانه عينة المركب الكاشف. حين وصلت التاسعة الحقيقية، أضاء المسرح كله باللون الأزرق، وكشف أمام الكاميرات كل بصمة مزروعة ومسار نقلها.
سلمى: هذه هي جريمتك يا أستاذي. وهذه أدلتها قبل أن تقتلني.
أعاد فارس البث عبر خط هاتف القاضي نفسه. وصلت الصورة إلى وكلاء النيابة والصحفيين في الخارج.
للمرة الأولى، وصلت الحقيقة أولًا.
■ الحكم الذي رفض تنفيذه
فتح آدم الحاجز وصعد إلى منصة يوسف. لم يقاوم الرجل. خلع الخاتم ووضعه فوق الميزان.
يوسف: إذا قبضت عليّ، ستفتح كل القضايا. قتلة سيخرجون، أبرياء ستُفضح حياتهم، ومؤسسات كاملة ستنهار.
آدم: أنت لا تخاف الفوضى. تخاف عالمًا لا تختار فيه مَن يدفع ثمنها.
قبل أن يقيده، أدار يوسف مفتاحًا في المنصة. انفتح باب خلفي، واشتغلت شاشات تعرض مئات الملفات.
رفع الميزان الآلي كفتين: في الأولى الأرشيف الأصلي بكل الاعترافات والأدلة الصحيحة؛ وفي الثانية ذراع أحمر يمحو الأرشيف وينشر النسخ المزورة تلقائيًا في سجلات الدولة.
يوسف: أمامكم حتى منتصف الليل. إذا أخذتم الأرشيف، ستُنشر أسماء الشهود السريين وكل مَن تعاون معنا. وإذا محوتموه، تصبح النسخ المزورة هي الحقيقة الوحيدة.
فارس: سنأخذك معنا ثم نختار.
ابتسم يوسف وضغط خاتمه داخل تجويف صغير. انطفأت القاعة، وأُغلقت أبواب معدنية بينه وبين آدم.
حين عادت الإضاءة، اختفى القاضي، وبقي صوته:
يوسف: لا يمكنكم إنقاذ الأبرياء والدليل معًا. هذه هي الكفة التي كسرت أباك يا سلمى، وقتلت أخاك يا فارس، وصنعت حسام.
ظهر عداد فوق الميزان.
الوقت المتبقي: ساعتان وسبع وأربعون دقيقة.
أمسك آدم بالخاتم الذي تركه يوسف. وجد داخله مفتاحًا دقيقًا وورقة مطوية تحمل اسمًا واحدًا.
قرأ الاسم، فتغير وجهه.
سلمى: مَن؟
ناولها الورقة.
كان اسم الشخص الذي أصدر أول أمر بإنشاء غرفة الميزان قبل ثلاثين عامًا:
التوقيع الأصلي — القضية صفر
نظر الجميع إلى شريف.
لكن المقعد الذي كان يجلس عليه أصبح فارغًا.
لم يعد السؤال مَن يحاكم القاضي… بل أي القاضيين يجب أن يعثروا عليه أولًا.

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك