ملف الساعة الثالثة
الرجل الذي مات مرتين
لم أخشَ الموت يومًا..
ربما لأنني رأيته كثيرًا، وكتبت عنه أكثر مما ينبغي، ووقفت أمام جثث رجال كانوا قبل ساعات يملأون الدنيا صخبًا، ثم صاروا أجسادًا صامتة لا تملك أن تعترض على شيء.
لأن الرجل الميت كان يقف أمامي!
بدأ الأمر في مساء السابع عشر من نوفمبر عام 1999، حين كنت أقيم وحيدًا في شقتي القديمة بحي المنيل، بعد أن تركت العمل الصحفي واعتزلت الناس والصحف والمقاهي التي يبيع فيها بعضهم الأخبار، ويبيع آخرون أصحاب الأخبار.
كان المطر يضرب زجاج النافذة في عنف، والريح تصفر بين العمارات كما لو كانت تبحث عن باب نسي صاحبه أن يغلقه.
كنت أجلس إلى مكتبي أراجع أوراق كتاب لم أتمه، حين سمعت ثلاث طرقات على الباب..
ثلاث طرقات متباعدة..
هادئة..
لكنها كانت أثقل على قلبي من طرقات رجال الشرطة في ساعات الفجر.
لم أكن أنتظر أحدًا، ولم يعد في حياتي من يزورني دون موعد. ومن يعرفونني جيدًا يعلمون أنني لا أفتح بابي بعد منتصف الليل.
جاءت الطرقات مرة أخرى.. ثلاثًا كما كانت.
— من؟
لم يجب أحد.
وضعت عيني على ثقب الباب، فلم أرَ سوى الممر الخالي والمصباح الأصفر المرتجف في السقف. فتحت الباب بحذر.. لم أجد إنسانًا.
وجدت مظروفًا بني اللون موضوعًا فوق ممسحة الباب، وقد كُتب عليه اسمي كاملًا بحبر أسود:
يُفتح في الساعة الثالثة فقط
نظرت عن يميني ويساري، ثم أسرعت إلى نافذة السلم، فرأيت الشارع خاليًا إلا من سيارة سوداء كانت تغادر نهايته دون أن تضيء مصابيحها.
عدت إلى الشقة وأغلقت الباب بالمفتاح والمزلاج.. ثم انتظرت.
لا أعرف لماذا أطعت الأمر المكتوب على المظروف. كان يمكنني أن أفتحه في اللحظة نفسها، لكن يدًا خفية أمسكت بفضولي حتى تحرك عقرب الساعة واستقر فوق الثالثة تمامًا.
عندها فتحت المظروف.
خرجت منه ثلاثة أشياء:
صورة فوتوغرافية قديمة..
وشهادة وفاة..
ومفتاح صغير تتدلى منه قطعة معدنية نُقش عليها الرقم: 317.
شهادة وفاة
الاسم: يوسف محمود السيوفي
المهنة: موظف بوزارة الخارجية
تاريخ الوفاة: 12 يونيو 1967
سبب الوفاة: إصابة مباشرة أثناء غارة جوية
مكان الدفن: مقابر الأسرة — القاهرة
أما الصورة، فكانت تجمع سبعة رجال يقفون أمام مبنى أوروبي الطراز. ستة منهم يرتدون الملابس الرسمية، بينما وقف السابع في طرف الصورة مرتديًا معطفًا طويلًا ونظارة سوداء.
قلبت الصورة.. فوجدت عبارة قصيرة مكتوبة على ظهرها:
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. أعدت النظر إلى الوجوه، وحاولت التعرف إلى أصحابها. بدا أحدهم مألوفًا، ربما كان دبلوماسيًا قديمًا رأيت صورته في أرشيف الصحيفة، لكن السنوات كانت قد التهمت أسماء كثيرة من ذاكرتي.
وضعت الصورة جانبًا، وأمسكت بالمفتاح. كان صغيرًا، أقرب إلى مفاتيح خزائن المحطات أو صناديق حفظ الأمانات.
وفجأة.. رَنَّ الهاتف.
تجمدت يدي فوق المكتب. لم يكن هاتفي يرن في الثالثة صباحًا إلا إذا مات شخص، أو كان شخص ما على وشك الموت.
رفعت السماعة ولم أتكلم. جاءني صوت رجل عجوز، خافت، تلتهمه أنفاس متقطعة:
— هل فتحت المظروف يا أستاذ نجيب؟
— من المتحدث؟
صمت قليلًا، ثم قال:
— رجل مات منذ اثنين وثلاثين عامًا.
شعرت بأنني أنظر رغمًا عني إلى شهادة الوفاة.
— يوسف السيوفي؟
جاءتني ضحكة قصيرة جافة، أعقبها سعال طويل.
— على الأقل ما زال هناك من يقرأ الأسماء قبل أن يقرأ الأكاذيب.
— ماذا تريد مني؟
— لا أريد منك شيئًا.. أنا فقط أرد إليك أمانة لم تعرف يومًا أنها كانت عندك.
— أي أمانة؟
— الحقيقة.
قلت ساخرًا، محاولًا إخفاء خوفي:
— والحقيقة احتاجت إلى اثنين وثلاثين عامًا حتى تجد عنواني؟
— الحقيقة لم تكن تبحث عن عنوانك، بل كانت تنتظر موت الذين يخافون منها.
ثم أضاف:
— لم يبقَ من جماعتنا إلا اثنان.. أنا، ورجل آخر سيقتلك إذا عرف أن المظروف وصل إليك.
نظرت إلى باب الشقة. في مثل تلك اللحظات يبدأ العقل في الشك بكل شيء؛ في وقع المطر، وفي صوت المصعد، وفي ظل الستارة، بل وفي أنفاس الإنسان نفسه.
— وما قصة المفتاح؟
— محطة مصر.. الطابق السفلي.. خزانة رقم ثلاثمائة وسبعة عشر.
— وماذا سأجد بداخلها؟
— ستجد اسمي الحقيقي.
— وما الذي يضمن أنني لن أجد قنبلة؟
ضحك مرة أخرى وقال:
— لو أردنا قتلك لما أرسلنا إليك مفتاحًا.
ثم صمت. سمعت خلال الصمت صوتًا بعيدًا عنده، كأن بابًا حديديًا قد فُتح، ثم جاء صوت ارتطام شيء بالأرض.
— اسمعني جيدًا.. إذا وصلت إلى الخزانة، فلا تفتح الملف الأحمر.
— لماذا؟
سمعت طلقة مكتومة.. ثم انقطع الخط.
ظللت ممسكًا بالسماعة أردد: ألو.. ألو! لكن الرجل لم يجب. كان صوت المطر وحده هو الذي يجيبني.
أعدت السماعة إلى مكانها، ووقفت أحاول استيعاب ما حدث. أخبرت نفسي أن الأمر مزحة ثقيلة من أحد زملاء الماضي، أو فخ صنعه شخص يريد الانتقام مني، أو لعبة مريضة دبرها قارئ مجنون.
لكن السؤال ظل واقفًا أمامي: كيف عرف المتصل بمحتويات المظروف؟
حملت الصورة واتجهت إلى المصباح الكبير، ثم تناولت عدسة مكبرة كنت أستخدمها في قراءة القصاصات القديمة.
تفحصت الرجال السبعة واحدًا واحدًا. عند الرجل الواقف في المنتصف ظهر شيء صغير فوق سترته، يشبه شارة رسمية. أما الرجل صاحب النظارة السوداء، فقد كان يخفي يده اليمنى داخل معطفه.
وحين قربت العدسة أكثر.. رأيت وجهًا ثامنًا!
كان يطل من النافذة خلف الرجال، نصف وجه فقط، وقد انعكس فوق الزجاج كأنه شبح يراقب التقاط الصورة.
حدقت فيه طويلًا.. ثم سقطت العدسة من يدي.
إنه وجه أبي!
أبي الذي مات عام 1974، بعدما عاش حياته كلها مدرسًا للغة العربية، ولم يغادر مصر قط — كما كانت أمي تؤكد دائمًا.
أخرجت من درج مكتبي صورة قديمة لأبي، ووضعتها بجانب الصورة المجهولة. الجبهة نفسها.. العينان الغائرتان.. والأثر الصغير بجوار الحاجب الأيسر.
لم يكن الشبه مصادفة. كان أبي هو الرجل الثامن الذي لم يقف أمام الكاميرا، لكنه ظهر في الصورة رغمًا عنه.
وفي تلك اللحظة سمعت صوت المصعد يتوقف في طابقي. ثم وقع أقدام بطيئة تقترب من باب الشقة.
خطوة..
ثم أخرى..
ثم ثالثة..
أطفأت المصباح سريعًا، وأمسكت بالمفتاح المعدني في يدي كأنني أقبض على سلاح.
توقفت الخطوات أمام الباب. لم يطرق القادم هذه المرة. بقي واقفًا في الخارج عدة ثوانٍ، ثم دفع من أسفل الباب ورقة صغيرة.
انتظرت حتى ابتعدت الخطوات، ثم اقتربت والتقطتها. كانت قصاصة من جريدة قديمة، تحمل خبرًا لا يتجاوز بضعة أسطر:
نبأ عاجل
«مصرع الموظف يوسف محمود السيوفي في حادث غامض بإحدى العواصم الأوروبية، وقد تعذر نقل جثمانه إلى القاهرة.»
تاريخ النشر: 5 أكتوبر 1974
أي بعد سبع سنوات كاملة من التاريخ المسجل في شهادة وفاته!
قلبت القصاصة، فوجدت على ظهرها عبارة كُتبت بحبر أحمر:
اسأل نفسك أولًا:
لماذا مات أبوك في العام نفسه؟
لم أنم حتى طلع الصباح. وقبل شروق الشمس بقليل، اتخذت قراري.
ارتديت معطفي، ووضعت الصورة والشهادة في جيبي الداخلي، ثم حملت المفتاح رقم 317.
قد يكون الذهاب إلى المحطة جنونًا.. وقد يكون البقاء في البيت أشد جنونًا.
وما إن خرجت من باب العمارة، حتى رأيت السيارة السوداء نفسها تقف في الجانب الآخر من الطريق.
كان بداخلها رجل واحد.. يرتدي نظارة سوداء رغم أن الشمس لم تشرق بعد.
تقدمت خطوة، فأدار محرك السيارة. تقدمت ثانية، فتحركت السيارة ببطء. وقبل أن تنطلق، أخرج الرجل يده من النافذة، وأسقط شيئًا فوق الطريق.
انتظرت حتى اختفت السيارة، ثم اقتربت منه.
كان شاهد قبر صغيرًا من الرخام الأسود، كُتب عليه:
1931 —
«لم يمت بعد.»

رفعت رأسي نحو الطريق الخالي.. وفي اللحظة نفسها دقت ساعة مسجد قريب ثلاث دقات، مع أن عقارب ساعتي كانت تشير إلى السادسة صباحًا.
هناك فقط أدركت أن المظروف لم يكن دعوة لفتح ملف قديم.. بل كان إعلانًا بأن الملف قد فُتح من تلقاء نفسه.
وأن اسمي قد أصبح جزءًا منه.
عنه السرية






رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك