ملف الساعة الثالثة
الشقة رقم 13
وصلت إلى العمارة قبل أن تستيقظ الإسكندرية..
كان البحر مختبئًا خلف ضباب الفجر، لكن رائحته سبقت ظهوره، واختلطت برائحة المطر والحجارة القديمة. وقفت في شارع ضيق بالمنشية أحمل ظرفًا كتبه رجل ميت منذ خمسة وعشرين عامًا، قبل وصوله إليّ بثلاثة أيام فقط.
كان العنوان يقود إلى عمارة شُيدت في ثلاثينيات القرن الماضي؛ شرفاتها الحديدية أكلها الصدأ، ونوافذها المغلقة بدت كعيون عجوز قرر ألا يشهد بشيء.
رفعت رأسي وعددت الطوابق.
سبعة طوابق، في كل طابق شقتان.
كان يجب أن تكون الشقة رقم 13 في الطابق السابع، إلى اليمين.
لكن الصورة التي تركها أبي أظهرت بابًا في منتصف سلم ضيق، لا نافذة أمامه ولا شقة بجواره.
دفعت الباب الخارجي، فصدر عن مفصلاته صوت طويل أيقظ رجلًا ينام فوق مقعد خشبي في المدخل.
كان البواب في السبعين تقريبًا، ملفوفًا ببطانية عسكرية. فتح عينًا واحدة وسألني:
— عند مين؟
— الشقة رقم 13.
فتح العين الثانية.
— ما عندناش 13.
— كل عمارة فيها شقة رقم 13 إذا بدأت أرقامها من واحد.
— عمارتنا بعد 12 تيجي 14. المالك القديم كان يتشاءم من الرقم.
أخرجت صورة الباب، ووضعتها أمامه. حدق فيها لحظات، ثم أعادها بسرعة كأنها أحرقته.
— الصورة دي اتاخدت هنا.. بس الباب ده اتقفل قبل ما أشتغل في العمارة.
— قلت إنه لا توجد شقة.
— مفيش شقة في الدفاتر. أما الحيطان فلها دفاتر تانية.
نهض وأشعل مصباحًا صغيرًا. قادني إلى السلم، لكنه توقف قبل الطابق السادس.
— هتطلع لوحدك. وبيننا كلمة: لو سمعت حد بينادي اسمك من ورا الباب، ما تجاوبش.
— لماذا؟
— لأن الشقة مقفولة من سنة 1974… ومع ذلك، كل كام سنة نسمع جوّاها شريط بيلف.
■ الطابق الذي لا يظهر في السلم
صعدت حتى الشقة 12، ثم تابعت الدرج. وجدت أمامي الشقة 14 كما قال البواب، ولم أرَ بابًا بينهما.
أعدت النظر إلى الصورة. خلف الباب رقم 13 ظهر في طرفها إطار مرآة طويلة مشروخة من الأعلى. وكانت المرآة نفسها معلقة الآن بين الطابقين، لا تعكس إلا السلم الخالي.
دفعتها.
تحركت الحائط كله معها.
ظهر خلفها ممر ضيق ونصف طابق محشور بين السادس والسابع، كأن المهندس نسيه أو تعمد أن ينساه. وفي نهايته كان الباب الأسود يحمل رقمًا نحاسيًا صغيرًا:
أخرجت المفتاح رقم 317. دخل القفل بسهولة، لكنه لم يدر.
تذكرت الخزانة في محطة مصر: ثلاث دورات إلى اليمين، واحدة إلى اليسار، وسبع نقرات قصيرة.
فعلت ذلك، فانفتح الباب دون صوت.
كان الهواء في الداخل باردًا، مشبعًا بالغبار ورائحة تبغ قديم. أضأت المصباح، ودخلت.
بدت الشقة وكأن أصحابها خرجوا منها قبل دقائق لا قبل ربع قرن. فنجان شاي جاف فوق المائدة، معطف معلق بجوار الباب، صحف تعود إلى أكتوبر 1974، وستائر تتحرك رغم إغلاق النوافذ.
كانت هناك أربع ساعات.
ساعة حائط، وساعة فوق المذياع، وساعة جيب بجوار الفنجان، وساعة يد فوق مكتب صغير.
جميعها متوقفة عند الثالثة.
أغلقت الباب خلفي.
فدار شريط التسجيل.
لم ألمس الجهاز، ولم يكن موصولًا بالكهرباء كما ظننت. ومع ذلك أضاء مؤشره، وبدأت البكرتان تتحركان.
ثم خرج صوت أبي من السماعة:
تراجعت خطوة واصطدمت بظهر المقعد.
— أبي؟
توقفت البكرة لحظة، كأن الرجل داخل الشريط ينتظرني. ثم عاد الصوت:
— لا تنادني بهذا الاسم هنا. الجدران تسمع أكثر مما تتكلم.
اقتربت من الجهاز. كان شريطًا مسجلًا، هذا واضح، لكن الفواصل بين جمله وردودي كانت دقيقة إلى حد جعلني أشعر أنه يسمعني.
— كيف عرفت أنني سأصل؟
دارت البكرة، وجاء صوته:
— لم أعرف. تركت أربعًا وعشرين نسخة من هذا التسجيل، واحدة لكل ساعة محتملة. فتح الباب في وقت معين يشغل الشريط المخصص لها.
بحثت خلف الجهاز، فوجدت ساعة ميكانيكية وأسلاكًا تصل القفل بصندوق يحوي شرائط متعددة. لم يكن الشريط حيًا، لكن عقل أبي هو الذي سبقني إلى الغرفة.
— أمامك ثلاث دقائق قبل أن يعرفوا أن الباب فُتح، تابع أبي. لا تبحث عني في الصور، ولا تثق في الرجل الذي يشبهني. اذهب إلى مكتبة النحو، وابحث عن الكتاب الوحيد الذي يبدأ بالمفعول به.
ثم انقطع الصوت.
■ الرجل الذي يشبه أبي
دخلت غرفة المكتب. كانت الجدران مغطاة بكتب اللغة والتاريخ، وهي الكتب نفسها التي ملأت مكتبة بيتنا في طفولتي. مررت بأصابعي فوق العناوين حتى وجدت كتابًا وُضع مقلوبًا، عنوانه «المفعول به».
سحبته، فانفتح جزء من المكتبة إلى الداخل.
وقبل أن أدخل الغرفة السرية، سمعت ثلاث طرقات فوق باب الشقة.
ثلاث طرقات متباعدة.. هادئة.. كالتي أيقظتني في المنيل.
— نجيب.. افتح يا بني.
توقف الدم في عروقي.
كان صوت أبي يأتي من خلف الباب، لا من جهاز التسجيل.
— أعرف أنك في الداخل. سالم خدعك، والملف الذي معك سيقتلك. افتح.
اقتربت من العين السحرية.
وقف في الممر رجل يحمل وجه أبي.
الشعر الأبيض نفسه، الحاجبان الكثيفان، الأثر الصغير بجوار العين، وحتى المعطف الرمادي الذي دُفن به.
لكن الملاحظة كانت واضحة في ذهني:
— قل لي شيئًا لا يعرفه سوانا.
ابتسم الرجل خلف الباب.
— كنت تخاف الظلام، فأخبرتك أن النجوم ثقوب صغيرة في سقف الليل، يطل الله منها ليطمئن عليك.
كان أبي قد قالها لي فعلًا.
مددت يدي إلى المزلاج.
وقبل أن ألمسه، عاد جهاز التسجيل للعمل من الصالون:
— سيخبرك عن النجوم. لا تفتح.
سحبت يدي كمن سحبها من النار.
اختفت الابتسامة من وجه الرجل بالخارج.
— أبوك لم يخبرك وحدك يا نجيب. كان يدربنا جميعًا بالجمل نفسها.
ثم أخرج من جيبه أداة معدنية وبدأ يعمل في القفل.
■ غرفة صاحب الظل
دخلت الغرفة السرية وأغلقت المكتبة خلفي. أضاء مصباح خافت تلقائيًا.
وجدت غرفة صغيرة بلا نوافذ. على الجدار خريطة للبحر المتوسط، تتصل فوقها خيوط حمراء بين الإسكندرية وقبرص واليونان ومرسيليا. وتحت الخريطة سبع صور للرجال الذين ظهروا في الصورة الجماعية.
وُضعت علامة سوداء فوق ستة وجوه.
ظل وجه فؤاد النجار بلا علامة.
فوق منضدة معدنية وجدت سجلًا بحريًا، وبوصلة نحاسية، وصندوقًا فولاذيًا يحمل نقشًا لسفينة اسمها:
آخر اتصال: 03:00 فجرًا
قلبت صفحات السجل. كانت السفينة قد غادرت الإسكندرية ليلة التاسع من أكتوبر 1974، تحمل شحنة أجهزة إذاعية. وبعد ست ساعات أرسلت نداء استغاثة، ثم اختفت.
ورد اسم يوسف السيوفي ضمن طاقمها باسم مستعار.
وفي الصفحة الأخيرة كتب أبي:
ملاحظة صاحب الظل
لم تغرق «النداء» حيث قالوا.
لم يكن نداء الاستغاثة صادرًا من السفينة.
الصوت الذي جاء من البحر سُجّل قبل غرقها بثلاثة أيام.
كان إلى جوار السجل شريط صغير داخل علبة محكمة، كُتب عليها: «الرسالة الأصلية — لا تُسمع على اليابسة».
وضعت الشريط في جيبي، ثم جربت مفتاح 317 في الصندوق الفولاذي. انفتح.
وجدت داخله قناعًا رقيقًا لوجه أبي، مصنوعًا من مادة مطاطية قديمة، ومعه صور لرجل يرتديه في أعوام مختلفة.
إذن الرجل خلف الباب لم يكن أبي.
كان أحد الرجال الذين استخدموا وجهه بعد موته.
وفي قاع الصندوق وجدت بطاقة بلا اسم، تحمل صورة الرجل نفسه قبل وضع القناع.
كان صاحب النظارة السوداء.
انفتح باب الشقة في الخارج.
سمعت خطوات تتجول في الصالون، ثم جاء صوت الرجل أقرب:
— الغرفة ليس لها مخرج يا نجيب. والدك صممها لتحفظ السر، لا لتحفظ من يدخله.
أطفأت المصباح، وتحسست الجدران. لم أجد بابًا، لكن نسمة باردة خرجت من خلف الخريطة البحرية.
نزعتها، فظهر ممر تهوية قديم بالكاد يتسع لجسد رجل.
وفي اللحظة نفسها بدأت رائحة الغاز تملأ الغرفة.
— اترك الشريط، وسأفتح الباب، صاح الرجل.
— لو كنت تريد قتلي لفعلت.
— نحن لا نقتل أمناء الملف.. نحن نستبدلهم.
دفعت السجل والشريط داخل معطفي، وزحفت في الممر بينما بدأت عيناي تحترقان.
وصلت إلى بئر مصعد الخدمة. كان الحبل القديم يصعد إلى السطح وينزل إلى القبو. تسلقت إلى أعلى، وكلما ارتفعت سمعت الرجل يضرب الجدار خلفي.
خرجت إلى سطح العمارة مع أول خيط للشمس.
■ رسالة لم تُرسل من اليابسة
وقفت أتنفس هواء البحر، وأراقب الدخان يتسرب من نافذة الشقة. لم يطاردني الرجل إلى السطح.
وجدت فوق سور المبنى جهاز إرسال صغيرًا مغطى بقماش مقاوم للمطر، وبجواره سماعة رأس. كان السلك يصل إلى هوائي موجه ناحية البحر.
تذكرت العبارة: «لا تُسمع على اليابسة».
وضعت الشريط في الجهاز، ووصلت السماعة. لم يخرج سوى هدير ماء وتشويش متقطع.
حركت مؤشر التردد حتى تطابق مع الرقم المحفور خلف البوصلة: 317.
انقشع التشويش.
سمعت أمواجًا، ومحرك سفينة، ثم صوت يوسف السيوفي للمرة الأولى:
— هنا النداء… إذا وصل التسجيل إلى عبد الرازق، فالرجل السابع خاننا. القائمة ليست على السفينة. أكرر: القائمة ليست على السفينة.
ثم جاء صوت آخر بعيد، تعرفت إليه رغم مرور السنوات.
كان صوت سالم عز الدين.
— يوسف، أغلق الجهاز فورًا. صاحب الظل غيّر الخطة.
تلا ذلك صوت طلقة، وارتطام، ثم صمت طويل.
وقبل نهاية الشريط بثوانٍ، همس يوسف:
نزعت السماعة.
كان سالم قد قال إن يوسف مات عام 1974، وإن أبي صدّق موته.
لكنه لم يخبرني أنه كان معه على السفينة قبل الطلقة.
أخرجت من جيبي الرقم الذي أعطاني إياه سالم واتصلت به من هاتف السطح المخصص للحارس.
رن الهاتف ثلاث مرات.
رد رجل لا أعرف صوته:
— من المتصل؟
— أريد سالم عز الدين.
صمت الرجل، ثم قال:
— سالم عز الدين عُثر عليه ميتًا داخل عربة قطار مهجورة منذ ساعة.
كدت أسقط السماعة.
— هذا مستحيل. تركته قبل أقل من ساعتين.
— إذن الرجل الذي تركته لم يكن سالم.
انقطع الخط.
وفي اللحظة نفسها دقت ساعة جيب أبي داخل معطفي.
كانت متوقفة منذ خمسة وعشرين عامًا.
لكن عقربيها تحركا الآن وحدهما حتى استقرا فوق الثالثة.
ثم انفتح غطاؤها، فسقطت منها قصاصة صغيرة تحمل إحداثيات في عرض البحر، وتحتها عبارة واحدة:
ابحث عمّن أرسل رسالتها بعد غرقها.
كانت الرسالة قادمة من قاع البحر…
لكن شخصًا ما ظل يكرر إرسالها خمسة وعشرين عامًا.
عنه السرية







رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك