
ملف الساعة الثالثة
آخر ما كتبه صاحب الظل
كان فؤاد النجار ينتظر داخل السيارة السوداء..
حيًا، هادئًا، ممسكًا بالملف الأسود كأن اعترافه لم يُرسل قبل دقائق إلى ثلاثة أرشيفات، وكأن خمسة وعشرين عامًا من المطاردة لم تنتهِ فوق برج الساعة.
فتح الباب الخلفي وقال:
وقف عم حسان إلى جواري، بينما بقيت ليلى عند مدخل البرج تتحدث إلى الرجال الذين وصلوا بعد إرسال الملف. كان الفجر قريبًا، لكن الشارع احتفظ بعتمته كأنه لا يريد أن يشهد الصفحة الأخيرة.
نظرت إلى الدفتر في يدي. صفحاته القديمة تحمل خط أبي، والصفحات الأخيرة تصف أحداثًا وقعت قبل ساعات بحبر لم يجف بعد.
— إذا كنتُ أنا من كتبه، فلماذا لا أتذكر؟
— لأن الذاكرة أول وثيقة نتعلم تزويرها.

■ العرض الأخير
جلست في الطرف الآخر من السيارة، وأبقيت الباب مفتوحًا. كان فؤاد شاحب الوجه، وعلى كتفه غبار وزجاج من انهيار المدينة.
— الملف الذي أرسلتموه يثبت جزءًا من الحقيقة، قال. لكنه لا يثبت من حرّككم جميعًا. عبد الرازق لم يترك عملية، بل ترك مسرحًا. أعطى كل واحد جملة، ومفتاحًا، وخوفًا، ثم انتظر أن تتحركوا وفق النص.
— مات قبل خمسة وعشرين عامًا.
— الكاتب يموت، لكن شخصياته تستمر في تنفيذ أوامره.
رفع الملف الأسود. كان يخفي داخله الصفحة الأخيرة المنتزعة من مخطط الساعة.
— هنا اسمك قبل أن تصبح ابنًا لعبد الرازق، وتسجيل لمريم وهي تسلمك إليه، ومكان النسخة غير المنقحة من قائمة الرجال. أعطيك إياها مقابل الدفتر.
— تريد دفترًا تقول إنني كتبته؟
— أريد الصفحة التي لم تكتبها بعد. صاحب الظل لا يحفظ الماضي؛ هو الذي يقرر أي نسخة منه ستبقى.

دخل عم حسان رأسه من الباب وقال:
— لا تصدقه. الرجل الذي يفشل في سرقة الحقيقة يحاول دائمًا سرقة الشك.
ابتسم فؤاد.
— اسأله عن الصفحات الحديثة. اسأله مَن كان يدخل شقتك وأنت في الإسكندرية.
نظرت إلى عم حسان. لم يجب.
— هل كتبتها أنت؟
— كتبتُ بعض السطور، قال أخيرًا. بناءً على تعليمات أبيك.
خرجت من السيارة ومعي الدفتر. دخلنا غرفة صغيرة أسفل البرج، حيث وضعت ليلى مصباحًا بنفسجيًا وعدسة فوق الطاولة.
■ الحبر الذي فضح النبوءة
فحصت ليلى الصفحة الأولى والأخيرة. تحت الضوء ظهر اختلاف لم تره العين المجردة؛ حبر الصفحات القديمة تسرب داخل ألياف الورق، أما الحديث فبقي فوقها.
— الورق كله من عام 1974، لكن الكتابة الأخيرة أُضيفت هذا الأسبوع.
قارنت طريقة كتابة الأرقام. كان أبي يكتب الرقم سبعة بشرطة صغيرة، بينما كُتب في الصفحات الحديثة بلا شرطة، كما أكتبه أنا.

— لهذا قال فؤاد إنني كتبته.
— استخدم صفحات من مسوداتك، قال عم حسان. أتباعه دخلوا شقتك بعد خروجك، وصوروا خطك. أرادوا أن يقنعوك بأن حياتك مكتوبة سلفًا، فتتوقف عن اتخاذ القرار.
— لكن الدفتر وصف أشياء لم يعرفها فؤاد.
— الصفحات القديمة لم تصف ما سيحدث، بل وضعت احتمالات. عبد الرازق عرف الرجال جيدًا، فكتب ما سيفعله كل واحد إذا وصل إليه المفتاح. أما أنا فكنت أضيف ما تحقق منها وأترك الدفتر في طريقك.
فتحت صفحة ظننتها نبوءة. تحت طبقة الحبر الحديث ظهرت كتابة أبي الأصلية:
من ملاحظات صاحب الظل — 1974
إذا اختار نجيب مطاردة فؤاد، فلن يصل إلى المحتجزين.
إذا اختار إنقاذ المحتجزين، سيأخذ فؤاد الملف ويهرب.
لا تخبروا الصبي أي طريق يسلك؛ فالاختيار وحده يثبت أنه ليس عميلًا صنعناه.
لم يتنبأ أبي بي.
لقد ترك لي حرية أن أخالفه.
■ صوت الأب الأخير
وجدت ليلى داخل غلاف الدفتر تجويفًا دقيقًا يحوي شريطًا قصيرًا. عدنا إلى غرفة الساعة ووضعناه في المسجل.
جلست أمي مريم إلى جواري بعدما أحضرها رجال الحماية من المصحة. وقف عم حسان خلفنا، وأدارت ليلى الجهاز.
جاء صوت عبد الرازق متعبًا، لكنه واضح:
— يا نجيب… حين تسمع هذا، ستكون قد عرفت أنني لم أنجبك، وربما تظن أن ذلك ينزع عني حق الأبوة. لا أطلب منك أن تسميني أبي. يكفيني أنك عشت حرًا من ذنب لم ترتكبه.
أغمضت عيني.
— يوسف أبوك بالدم، ومريم أمك بالشجاعة. أما أنا فكنت الرجل الذي حملك من باب إلى باب بينما كان الموت يبحث عن سوارك. وحين وصلت بي إلى البيت، عرفت أن كل عملية شاركت فيها لم تكن تساوي أن ينام طفل ليلة واحدة بلا خوف.

— ستجد أمامك أسماء خونة وأسماء شرفاء. تستطيع نشرها كلها، وسيصفق الناس للحقيقة يومًا، ثم يموت الأبرياء بسببها أعوامًا. تذكر: ليست كل حقيقة تُخفى كذبًا، وليست كل حقيقة تُعلن عدلًا.
توقف الشريط لحظة، ثم جاءت كلماته الأخيرة:
انتهى التسجيل.
مدت أمي يدها وأمسكت يدي.
— كان يخاف أن تكرهه.
— لقد منحني حياته كلها دون أن يطالبني حتى باسمه.
■ موت الرجل الذي مات مرات كثيرة
عدت إلى الشارع. كانت السيارة السوداء لا تزال مكانها، لكن فؤاد لم يعد جالسًا بصورة مستقيمة. انحنى فوق الملف، وأنفاسه ضعيفة.
لم يطلق عليه أحد النار. جرح زجاجي قديم من انهيار المدينة فتح نزيفًا أخفاه طوال الطريق.
— سمعت التسجيل؟
— نعم.
— إذن سيهزمك كما هزمني. ستقضي عمرك تحمي أسماء لا تعرف أصحابها.
— الفرق أنني لن أملكهم.
وضعت جهاز تسجيل صغيرًا فوق المقعد.
— قل أين النسخة غير المنقحة.
ضحك في ألم.
— لم توجد قط. عبد الرازق أحرقها ليلة النداء. كل ما طاردناه كان نسخًا كاذبة وشهادات ضدنا.
— عرفت ذلك متى؟
— الليلة فقط. حين سمعت صوته يقول: لا تنشروا أسماء من خدموا في صمت.
فتح الملف الأسود. لم تكن الصفحة الأخيرة تحمل اسمي الأول، بل شهادة قصيرة بخط مريم تثبت أن يوسف اختار لي اسم «نجيب» قبل ولادتي. أما عبد الرازق فأعطاني اسمه فقط.
— لماذا عدت بدل أن تهرب؟
— لأعرف هل ستصبح مثلي… رجلًا يظن أن امتلاك الحقيقة يمنحه حق امتلاك الناس.
— وماذا وجدت؟
نظر إلى رجال التحقيق القادمين، ثم إلى ضوء الفجر.
— وجدت أن عبد الرازق اختار أفضل مني.
أغمض عينيه.
مات فؤاد النجار مرة واحدة، لكن أسماءه الكثيرة احتاجت سنوات كي تلحق به.
■ ما نُشر وما أُحرق
في الأيام التالية، تسلمت الجهات المختصة التسجيلات واعتراف فؤاد وأدلة المدينة الزجاجية. لم تُنشر أسماء المصادر ولا أسرهم. نُشرت الجرائم التي ثبتت، وبقيت الوجوه التي حمت البلاد خلف ستارها.
أغلق عم حسان ورشة الهويات للمرة الأخيرة. سلمني أختام العميل صفر، ثم أحرقها أمامي.
أما ليلى فاحتفظت بنسخة مشفرة من تسجيلات أبيها ويوسف، لا لتبيعها أو تخفيها، بل حتى يأتي اليوم الذي يمكن فيه للتاريخ أن يسمعها دون أن يقتل أحدًا.

سألتني أمي إن كنت نادمًا لأنني لم أعرفها إلا بعد أن شاخت.
— يكفيني أن أعرف أن موتك كان كذبة.
قالت:
— بعض الأكاذيب قبور، وبعضها مخابئ. المهم أن تعرف متى تخرج منها.
■ الصفحة الأخيرة
عدت إلى شقتي في المنيل بعد سبعة أيام. كان كل شيء كما تركته، إلا الغبار فوق المكتب وآثار يد بحثت في أوراقي.
جلست وفتحت دفتر أبي.
نزعت الصفحات التي زوّرها فؤاد، ولم أحرقها؛ أبقيتها شاهدًا على أن الكذبة قد تستخدم خطك وصوتك، ومع ذلك لا تصبح حقيقتك.
ثم بدأت أكتب.
كتبت عن المظروف، وعن الرجل الذي مات مرتين، والصورة ذات الوجوه السبعة، والقطار، والشقة 13، والسفينة النداء، والمدينة الزجاجية، والرصاصة المؤجلة.
لم أكتب أسماء من ما زال كشفهم يؤذي أبناءهم. ولم أجعل من أبي بطلًا لا يخطئ، ولا من أعدائه شياطين وُلدوا بلا قلوب.
كتبت ما يستطيع النور احتماله.

عند الثالثة فجرًا وضعت القلم، وكتبت فوق الصفحة الأولى:
العملية التي لم يَعُد منها صاحب الظل
ثم سمعت ثلاث طرقات على الباب.
فتحت.
لم أجد أحدًا.
وجدت مظروفًا بنيًا جديدًا، لا يحمل اسم المرسل. بداخله صورة حديثة لسبعة رجال يقفون أمام مبنى لا أعرفه.
في النافذة خلفهم ظهر وجه ثامن منعكس فوق الزجاج.
كان وجهي.
وعلى ظهر الصورة عبارة واحدة:
نظرت إلى مفتاح 317 فوق مكتبي.
كان ينبغي أن أخاف.
لكنني ابتسمت، وأغلقت الدفتر.
لم أعد الرجل الذي ينتظر أن تشرح له الملفات من يكون.
هذه المرة، كنت أنا من سيقرر أي ملف يستحق أن يُفتح.
ظننت أنني أكتب الصفحة الأخيرة…
ولم أكن أعلم أنني أوقّع الصفحة الأولى لملف جديد.
السلسلة

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك