الساعة ٢:١٣
الطرف الآخر
لم يكن السلك نهاية الطريق. كان أثرًا له؛ خطًّا نحاسيًا رفيعًا خرج من غرفة «٠٠»، واختفى في جدارٍ لم يعد أحد يذكر ما وراءه.
■ مسارٌ لا يحمل كلمات
لم ينزعوا السلك من مكانه. وضع معتز جهاز التتبّع على العازل، وأبقى الدائرة كما وجدوها. لم يصدر الجهاز نغمة اتصال؛ اكتفى بإشارة خافتة تتحرك مع المسار، منعطفًا بعد منعطف، عبر سقف الممرّ الخدمي.
سيف: إذا وصل إلى الخارج، سيقودنا إلى من أرسل الرسالة.
معتز: وقد لا يحمل الرسالة أصلًا. السلك القديم قد يفتح بابًا، أو يطلق جرسًا، أو لا يفعل أكثر من إغلاق دائرة.
تبعت مريم الإشارة وهي تسجّل كل نقطة على نسخة من المخطط. عند الجدار الشرقي هبط المسار خلف أنبوب تهوية، ثم دار إلى أسفل. لم يخرج من المبنى؛ اختفى خلف لوحٍ فولاذي مطليّ بلون الجدار. بدا اللوح جزءًا من ترميمٍ قديم، لكن برغيه الأعلى لم يغطِّهما الغبار بالتساوي.
أزاح فريق الصيانة الرفّ المقابل، بعد توثيق موضعه، فظهر باب مصعدٍ أخضر عريض. لم يكن في المخطط الحديث، ولم يكن في سجلّ المصاعد العاملة. على جانبيه، بقيت آثار لوحة تعريف نُزعت بعناية، كأن أحدًا لم يرد هدم الباب؛ أراد فقط أن يتوقف الناس عن السؤال عنه.

■ المصعد الذي لم يعد موجودًا
استخرج معتز من أرشيف الصيانة مخططًا أقدم من المخطط الحالي بسبعة عشر عامًا. في الورقة، كان للمبنى مصعد بضائع يربط القبو بمستوى خدمة أدنى. وفي هامشٍ ضيق، ملاحظة مقتضبة: «أُوقف المسار السفلي بعد نقل الأرشيف». لا توقيع، ولا اسم للجهة التي طلبت الإيقاف.
لم يقل أحد «محفل المرآة»، لكن الاسم كان حاضرًا في أذهانهم. سبعة عشر عامًا تفصل بين الملف القديم والمرحّل، وبين الصفحة المنزوعة ومصعدٍ أُغلق مساره في السنة نفسها تقريبًا.
كان المفتاح النحاسي الذي وجدوه بجوار الطابعة داخل حجرة «٠٠» محفوظًا في ظرف الأدلة. أخرجته مريم بحضور الجميع. لم يفتح باب المصعد، لكنه استدار في قفلٍ صغير خلف لوحة الصيانة، قفل لم يظهر إلا بعد أن رفع الفني غطاءً جانبيًا.

في الداخل، كان الغبار كثيفًا عند الحواف، لكنه انقطع حول مرحّلٍ أسود صغير. مرّ سلك نحاسي من تحته إلى عمق البئر، وعاد زوجٌ آخر باتجاه الممرّ. وعلى بطاقة معدنية باهتة بقي أثر رقمين: «٠٠» و«١٥». لم يكن واضحًا إن كانا اسمي خطّين، أم رقمي منفذين.
معتز: هذا تعديل حديث. العازل جديد، لكن اللوحة نفسها قديمة.
مريم: هل يستطيع أن يطبع الجملة التي خرجت من الطابعة؟
معتز: لا. هذا السلك لا ينقل كلمات. أقصى ما يفعله أن يرسل نبضة، كأن يطلب من المصعد أن يتحرك أو من المرحّل أن يغلق دائرة. أمّا الجملة، فلا بد أنها كانت موجودة عند الطابعة قبل أن تخرج؛ في ذاكرة محلية، أو على وسيطٍ أُدخل إليها.
لم يكن ذلك حلًّا، بل فصلٌ جديد بين السؤالين: من جهّز الكلمات؟ ومن أعطى الإشارة في موعدها؟
أشارت مريم إلى مفتاح الصيانة.
مريم: رؤوف وقّع على إعادة مفتاح الحجرة. هل يمكن أن يكون هذا هو المفتاح الذي وقّع عليه؟
رؤوف: لا أستطيع الجزم من شكل مفتاحٍ بلا بطاقة. السجلّ يقول إنني أعدت مفتاح الحجرة؛ لا يصف الأسنان، ولا يذكر حلقة مفاتيح.
سيف: ولا يقول إن هذا المفتاح لم يكن معها.
رؤوف: صحيح. لكنه لا يقول إنه كان معها أيضًا.
لم يطلب رؤوف إغلاق اللوحة، ولم يقترب منها. لم يكن هدوؤه براءةً ولا اعترافًا؛ كان حدًّا لا تسمح الورقة بتجاوزه. أمرت مريم بتصوير المرحّل قبل فحصه، وبأن يبقى المفتاح في عهدة الأدلة.
■ المستوى الذي حُذف
بعد فحص المصعد وتثبيت وسيلة الأمان، دخل الفريق إلى العربة. كانت أزرار الطوابق ممسوحة، ولم يبقَ عليها سوى آثار مستطيلات نظيفة في معدنٍ غطّاه الصدأ. ضغط الفني زرّ القبو؛ هبطت العربة، ثم توقفت عند المستوى المعروف. لم ينتهِ أثر السلك هناك.
خلف غطاءٍ أرضيّ، وجدوا ذراع تشغيل يدويًا ثُبّت عليه قفل صغير. احتاج القفل إلى المفتاح النحاسي نفسه. حين استدار، انطلقت من جوف البئر طقّة ثقيلة، ثم تحرّكت العربة إلى أسفل مسافة قصيرة أخرى. لم يكن في اللوحة زرٌّ لهذا التوقف.
انفتح الباب على ممرّ منخفض السقف. لم يكن ممرًا سرّيًا واسعًا كما تخيّلت مريم، بل ممر صيانة ضيقًا تفوح منه رائحة الحديد والرطوبة. على الأرض أخدودان متوازيان، أثر عجلات عربة صغيرة، يختفيان عند منعطفٍ حاد. وفي آخر الممرّ، بوابة شبكية تؤدي إلى قناة خدمات بمحاذاة الجدار الخارجي.
لم تُفتح البوابة. صُوّرت أولًا، ثم فُحصت أقفالها. كان أحد البرغيين أحدث خدشًا من الآخر؛ وعلى حافته بقايا معدن لامع لم يعلُه الصدأ بعد. أمّا الأخدودان، فلم يكشفا متى عبرت آخر عربة، ولا ما الذي حملته.
سيف: شخصٌ يستطيع أن يصل إلى هنا من دون أن يمرّ بالباب الذي راجعنا سجلاته.
مريم: هذا يثبت وجود طريقٍ آخر. لا يثبت أن أدهم سلكه.
على الجانب الداخلي من البوابة، امتدّ السلك النحاسي إلى صندوقٍ معدني صغير، ثم انقطع عند موصلٍ حديث. لم يكن الصندوق متصلًا بالشبكة، ولا يحمل لوحة صيانة. في داخله مؤقّتٌ بسيط، وقرص ضبطٍ متوقف عند موضع واحد: الثانية وثلاث عشرة دقيقة.
لم يكن المؤقّت دليلًا على أن أحدًا ينتظر عند البوابة. لكنه جعل الموعد أكثر من عادةٍ غامضة. نبضة معدّة سلفًا تستطيع أن تُحرّك المصعد، أو توقظ المرحّل، حتى حين لا يقف أحد عند الطرف الآخر.
■ حين تحرّك المصعد وحده
لم يقطعوا الخطّ. وضعوا كاميرا عند البوابة، وأخرى في المصعد، وثبّتوا شريطًا مرقّمًا على حافة باب الممرّ السفلي. تركوا مسار السلك كما هو، وتوزّعوا على مواضع معلومة عند الموعد. لم تكن الكاميرات ترى الجدار المقابل؛ لم يكونوا قد عرفوا أن وراءه مساحةً تستحق المراقبة. وقبل إخلاء العربة، أزال فريق الفحص آثار أحذيتهم من أرضها، وصوّر طبقة الغبار المستوية، ثم أغلق الباب.
بدأت الدقيقة بصفيرٍ بعيد من المؤقّت. لم يلمس أحد لوحة التحكم. ومع ذلك، أضاء المصباح الصغير خلف لوحة الصيانة، ثم هبط المصعد من القبو إلى المستوى السفلي. توقّف هناك لحظات، وعاد خاليًا إلى القبو. كان صوت السلك خافتًا، احتكاكًا معدنيًا قصيرًا، كأن الباب تذكّر وظيفةً منعها عنه الغبار.
حين فتحوا العربة، لم يكن فيها أحد. على عتبتها ظهرت طبعة حذاءٍ واحدة، رطبة عند الحافة، لم تكن موجودة في الصورة التي التقطوها قبل المراقبة. اتجه رأسها نحو الجدار المقابل، ثم توقفت عند شريطٍ رأسي لا يظهر في المخطط.
اقترب سيف من الجدار دون أن يلمسه. عند أسفل الشريط، ارتفع الغبار إلى الداخل، لا إلى الخارج. جرّب معتز جهاز التتبّع مرة أخرى؛ جاءت الإشارة من خلف الجدار نفسه، ثم هبطت إلى ما دون نهاية البئر.
سيف: هذا ليس طرف السلك.
مريم: بل طرفه الذي أردنا أن نراه.
لم يكن هناك بابٌ ظاهر، ولا مقبض، ولا أثر قفل. بقي شريط الدليل على باب الممرّ السفلي سليمًا؛ لم يُفتح الطريق الذي عرفوه. لكن الغبار عند الخطّ الرفيع في الجدار انجذب إلى شقٍّ ضيق، وتحت الشقّ توقفت الطبعة. ثم جاء من الجهة الأخرى صوتٌ قصير، كاحتكاك مزلاجٍ بمعدن.
الطريق السفلي لم يُغلق. الذي أُغلق هو اسمه.
وصل السلك إلى مصعد بضائع محذوف من الخرائط، وممرّ خدمة يمكن أن يتجاوز المدخل المسجّل. كشف المؤقّت أن نبضة ٢:١٣ قد تعمل بلا شخصٍ حاضر، لكن أثر الحذاء والإشارة خلف الجدار يثبتان أن المستوى السفلي ما زال موصولًا بشيءٍ لا يظهر في المخطط. لا دليل بعد على أن أدهم مرّ من هناك، ولا على مَن أعاد المفتاح إلى حجرة «٠٠».
الجدار الذي لا يظهر في المخطط
سيبحث الفريق عمّا يتحرّك خلفه، قبل أن يعود المصعد إلى الصمت.
مفتوح
الساعة ٢:١٣
الحلقة: الخامسة من خمس عشرة
ما عرفناه: خطّ «٠٠» يتصل بمصعد خدمة ومؤقّت يطلق نبضة عند ٢:١٣.
ما بقي مجهولًا: ما وراء الجدار، ومَن استخدم الطريق السفلي.

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك