قبل أن ينتشر
ثماني عشرة ثانية
لم يكن المقطع طويلًا بما يكفي ليشرح ما حدث، لكنه كان طويلًا بما يكفي ليحكم الناس على صاحبة الصوت.
■ الرسالة التي سبقت الصباح
استيقظت نور عزّت على اهتزاز الهاتف فوق الطاولة الصغيرة. لم يرنّ؛ اكتفى بأن تحرّك نصف سنتيمتر، ثم سكن، ثم عاد إلى الاهتزاز. كانت الساعة تشير إلى السادسة وثماني عشرة دقيقة. خارج النافذة، لم تكن القاهرة قد قرّرت بعد إن كان هذا صباحًا أم امتدادًا متعبًا لليل.
ظهر إشعار من مجموعة دفعتها الجامعية. لم يكن فيه اسم مرسل، بل مقطع صوتي مدته ثماني عشرة ثانية، وتحته عبارة قصيرة: «اسمعوا ما تقوله صاحبة المنحة عن زملائها».
ضغطت نور زرّ التشغيل.
المصدر المعلن: غير معروف.
كان الصوت صوت سلمى مراد، لا شكّ في ذلك. لكن العبارة خرجت مبتورة من سياقها؛ بدأت من منتصف نفس، وانتهت قبل أن تستقرّ نبرة المتحدثة. في الثانية الأخيرة سُمِع احتكاك خافت، كأن الميكروفون لامس قماشًا، ثم انقطع التسجيل على نحو حاد.
أعادت نور المقطع مرة واحدة. لم تُعِده ثانية. كانت تعرف أن كل إعادة إرسال تصنع مستمعًا جديدًا، وأن «مجرد التأكد» لا يختلف كثيرًا عن المشاركة حين يكون الصوت لشخص لم يختر أن يصبح مادة للنقاش.
فتحت الصفحة التي أعادت نشر المقطع. كان اسمها «مرآة الحرم»، صفحة لا يعرف أحد من يديرها، لكنها تعرف أسماء الطلاب أسرع مما تعرفها إدارة الكلية. أرفقت المقطع بصورة لسلمى في نشاط جامعي، ثم كتبت: «الحقيقة لا تحتاج إلى شرح».
توقفت نور عند الصورة. لم تكن سلمى تبتسم فيها؛ كانت تنظر إلى شخص خارج الإطار، وفي يدها ملف أزرق اعتادت أن تحمله إلى اجتماعات لجنة الأنشطة. أسفل الصورة، ظهرت تعليقات تتسابق إلى الحكم. لم يسأل أحد: من قصّ المقطع؟ من أرسله أول مرة؟ وهل قالت سلمى هذه الكلمات، أم كانت ترويها؟
قبل أسبوع، جلستا معًا في غرفة الإذاعة لإعداد فقرة عن الأنشطة الطلابية. كانت سلمى قد خرجت لتوّها من اجتماعٍ ناقش رسوم الرحلة، وأرسلت إلى نور ملاحظات صوتية قصيرة كيلا تضيع التفاصيل. يومها قالت عند الباب: «لا أريد أن أفضح أحدًا. أريد فقط أن تبقى الجملة كما قيلت، لا كما سيعيدها الناس.» لم تكن نور قد أذَاعت تلك الملاحظات، ولم تظنّ أن أحدًا غيرهما سيسمعها.
وصلت نور إلى الحرم الجامعي قبل التاسعة بقليل. كان الممرّ الذي يقود إلى مدرّج الإعلام مضاءً بنور باهت، والوجوه فيه أكثر يقظة من أصحابها. كلما مرّت بجوار مجموعة، خفتت الأصوات لثانية، ثم عادت حين تجاوزتها.
مها: رأيتِ المقطع؟
نور: رأيت ثماني عشرة ثانية.
مها: الصوت واضح.
نور: وضوح الصوت لا يعني وضوح الحكاية.
لم تجادلها مها. كانت قد فتحت المقطع في هاتفها، ولم تضغط «إرسال» بعد. بقي إصبعها فوق السهم الأزرق، مترددًا بين رغبة في إخبار الآخرين وقلق من أن تكون هي نفسها جزءًا من المشكلة.
في المدرّج، ظلّ مقعد سلمى خاليًا. كانت تجلس عادة قرب النافذة وتدوّن ملاحظاتها بقلم أخضر؛ وفي ذلك الصباح بقيت صفحة الأمس مفتوحة على الطاولة، كأنها تنتظر أن تعود صاحبتها لتكمل سطرًا انقطع. لم يكن الغياب دليلًا على شيء، لكنه جعل الهمس في القاعة أعلى مما ينبغي.
أرسلت نور رسالة خاصة: «هل أنتِ بخير؟ لن أعيد نشر المقطع. أريد فقط أن أعرف ما الذي تحتاجين إليه.» ظهرت علامة الإرسال، ولم تظهر علامة القراءة.
في أثناء المحاضرة، لم تسمع نور إلا شذرات. كلمة «منحة» تتكرر همسًا خلفها، واسم سلمى يتبعها في مقعد آخر. كان بعضهم يتحدث كما لو أن المقطع شهادة رسمية، وبعضهم اكتفى بمشاهدة الشاشة، مطمئنًا إلى أنه لم يكتب تعليقًا جارحًا بنفسه.
■ ما لا يظهر في الموجة
عند الثالثة واثنتي عشرة دقيقة، وصل إلى نور ردّ من سلمى. لم يكن تسجيلًا صوتيًا، بل رسالة نصية قصيرة:
«أنا بخير، وأنا مع أمي في بيت خالتي. لا تدافعي عني بنشر المقطع مرة أخرى. اسمعي ما قبل أول كلمة، لا ما بعدها.»
قرأت نور الجملة مرتين. كانت سلمى، حتى وهي في قلب ما يحدث، تفكر في أثر إعادة النشر قبل أن تفكر في تبرئة نفسها.
عند السادسة مساءً، اتجهت نور إلى غرفة الإذاعة الجامعية. لم تكن تعمل في برنامج إخباري، بل في فقرة أسبوعية قصيرة عن حياة الطلاب. غير أن الغرفة احتفظت بأرشيف من المقابلات والتسجيلات، وبأجهزة تتيح لها رؤية ما لا تسمعه الأذن وحدها.
كان آدم شريف، محرّر الصوت في الإذاعة، يراجع جدول البث حين دخلت. لم يسألها عن المقطع؛ كان قد رآه. أغلق باب الغرفة، وأبعد الهاتف عن السماعات.
آدم: هل نعرف أن سلمى وافقت على تشغيله هنا؟
نور: لا. لن نذيعه، ولن نرسله لأحد. أريد أن أعرف فقط إن كان ملفًا واحدًا كما يزعمون.
آدم: سأفحص النسخة التي وصلتكِ، من دون لمس الأصل.
استخرج آدم نسخة مؤقتة من الملف إلى الحاسوب، وترك الرسالة الأصلية على هاتف نور كما هي. ظهرت الموجة الصوتية على الشاشة: خطّ متقارب في بدايته، ثم قفزة دقيقة عند الثانية الحادية عشرة. لم تكن القفزة كبيرة بما يكفي ليلاحظها مستمع عابر، لكنها فصلت ما قبلها عمّا بعدها، كما يفصل بابٌ أُغلق بسرعة بين غرفتين.
كبّر آدم الموجة الصوتية على الشاشة من دون أن يرفع مستوى الصوت. عند موضع القطع، تغيّر صدى الغرفة. في الجزء الأول كان الصوت قريبًا وجافًّا؛ وفي الجزء الأخير عاد إليه ارتداد خفيف، كأن المتحدثة ابتعدت عن الهاتف أو وقفت أمام جدار أجوف.
آدم: هذا ليس دليلًا على هوية من ركّبه، لكنه ليس تسجيلًا متصلًا.
نور: هل يمكن أن يكون ضغط التطبيق هو السبب؟
آدم: الضغط يغيّر جودة الصوت. لا يبدّل صدى الغرفة في منتصف الجملة.
لم يبتسم آدم بانتصار. كان يعرف أن اكتشاف القطع لا يعيد إلى سلمى يومها، ولا يوقف التعليقات التي سبقته. كما أن المقطع قد يكون مركبًا من تسجيلين حقيقيين، لا من صوت مزيف؛ وهذا وحده كافٍ لترك باب الشك مفتوحًا.
أعادت نور الاستماع إلى الثواني الأخيرة بسماعات الرأس. تحت احتكاك القماش، سُمعت نغمة مزدوجة خافتة: نغمتان قصيرتان تفصل بينهما وقفة بالكاد تُدرك.
رفع آدم رأسه عن الشاشة.
آدم: هذه إشارة بدء التسجيل في وحدة الصوت القديمة.
نور: أيّ وحدة؟
آدم: الوحدة الثانية في هذه الغرفة. لا تزال تصدرها قبل أن تحفظ الملف.
نظرت نور إلى الباب المغلق، ثم إلى لوحة التحكم القديمة في زاوية الغرفة، وهي وحدة لا يستخدمها الفريق إلا في تسجيلاتٍ خاصة. لم تكن النغمة برهانًا على أن أحدًا صنع المقطع هنا؛ فقد تكون بقايا تسجيل قديم، أو صوتًا التقطه هاتف قريب من الغرفة. لكنها كانت أول خيط لا يعتمد على رأي أحد.
٢. يتبدل صدى الغرفة عند الثانية ١١ تقريبًا.
٣. في النهاية نغمتان تعرفهما وحدة التسجيل الثانية.
٤. لا نعرف من جمع المقاطع، ولا من سرّبها.
■ الصوت الثاني
غادرت نور غرفة الإذاعة عند التاسعة والنصف. في الطريق إلى البوابة، وصلتها رسالة من رقم غير محفوظ، من دون صورة أو اسم:
«إن كنتِ قد سمعتِ النغمتين، فقد عرفتِ أين وُلد الجزء الأخير. غدًا ستسمعين صوتًا آخر.»
لم تجب. التفتت إلى المبنى؛ كانت نوافذ الطابق الثاني مطفأة، إلا نافذة غرفة الإذاعة. خلف الزجاج ومض ضوء أحمر صغير ثم خبا. كانت قد رأت آدم يطفئ وحدة المزج قبل أن يخرجا، لذلك لم تستطع أن تجزم: أكان الضوء من الجهاز، أم انعكاس مصباح عابر على الزجاج؟ لم تعد إلى المبنى، لكنها حفظت الوقت في ذاكرتها.
عادت إلى البيت، ونسخت الملف على ذاكرة صغيرة، ثم دوّنت وقت وصوله واسم المجموعة التي ظهر فيها أول مرة. لم ترسله إلى أحد. لم تكتب على صفحتها أن المقطع مزيف؛ فهي لا تملك النسخة الكاملة بعد، ولا تعرف من سيُجرح إذا فتحت بابًا جديدًا.
قبل منتصف الليل بدقيقتين، اهتزّ الهاتف مرة أخرى. لم تكن رسالة خاصة هذه المرة. نشرت «مرآة الحرم» قصة جديدة بخلفية سوداء وموجة صوتية لا تتجاوز أربع ثوانٍ، وأسفلها صورة صغيرة لغرفة الإذاعة، ملتقطة من جهة الباب.
ضغطت نور التشغيل.
«لا ترسلي النسخة إلى المجموعة.»
كان صوتها.
لم تتذكر أنها قالت الجملة لأحد خارج غرفة الإذاعة. ولم تكن تعرف من سجّلها، ولا متى. أسفل الموجة، كتب الحساب: «غدًا: نسمع بقية صوت نور».
وضعت نور الهاتف على الطاولة. بقيت عيناها على الشاشة، لا على العبارة، بل على تفصيل صغير عند طرف الصورة: انعكاس زجاج غرفة البثّ، وفيه شخص يقف خلف الكاميرا.
لم يظهر وجهه. ظهر فقط طرف كمّ داكن، وبطاقة جامعية تتدلّى من شريط أزرق.
كانت البطاقة من اللون نفسه الذي يحمله العاملون في إذاعة الجامعة.
لم يكن السؤال بعد الآن: هل قالت سلمى العبارة؟
بل: من كان داخل غرفة الإذاعة حين سُجّل صوت نور؟
صوت الجرس
في الليلة التالية، ستبحث نور عن صاحب البطاقة الزرقاء؛ ثم يكشف سجلّ الدخول أن بطاقتها استُخدمت في الاستوديو قبل وصولها إلى الحرم الجامعي بساعات.
مفتوحة
مسار الحلقات الخمس
١. ثماني عشرة ثانية
٢. صوت الجرس
٣. سلسلة المشاركة
٤. من يربح من الفضيحة؟
٥. قبل أن ينتشر

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك