محطة بين الحيوات — الحلقة الرابعة: ثمن العودة

0
سجلّ ميتافيزيقي متخيّل • شهادات من بين النبضتين
سبع ليالٍ، واسم واحد يجب أن يُكتب

محطة بين الحيوات

الحلقة الرابعة

ثمن العودة

النبضة الرابعة: 4/∞ بيت العائلة القديم — حدائق القبة الليلة الثانية من المهلة

لم أخبر أمي بكل شيء. قلت فقط: "فاكرة بابا كان بيشتغل فين بالظبط قبل ما يختفي؟" فتغيّر لون وجهها قبل أن تجيب كلمة واحدة.

وضعت كوب الشاي من يدها بحذر شديد، كأن السؤال وحده قادر على كسر شيء هش بداخلها ظل صامدًا ثلاثين عامًا.

— ليه فجأة بتسأل عن أبوك يا كريم؟

— عندي مريضة... بتوصف حاجات ما كانش المفروض تعرفها. عن حد شكله زي بابا، بيعيط قدام قطار.

قامت دون أن تجيب، واتجهت إلى غرفة التخزين خلف المطبخ. سمعت صوت صندوق خشبي يُسحب من تحت أغراض كثيرة لم تُحرّك منذ سنين.

الصورة 1 — أمي في لحظة فتح الصندوق الذي أخفته عني طوال هذه السنين، تحمل صورة أبي بصمت.
الصورة 1 — أمي في لحظة فتح الصندوق الذي أخفته عني طوال هذه السنين، تحمل صورة أبي بصمت.

■ صندوق لم يُفتح منذ الجنازة الفارغة

فتحت الصندوق فوجدت ساعة جيب نحاسية، مطابقة تمامًا للساعة المعلقة فوق الرصيف، عقاربها متجمدة أيضًا عند الثالثة وخمس عشرة دقيقة. وبجانبها دفتر جلدي، وصور قديمة لرجل يحمل ملامحي، لكن بعينين أكثر تعبًا.

— أبوك كان دكتور مناوبات ليلية في نفس المستشفى اللي بتشتغل فيه دلوقتي. يوم ما اختفى، قالوا لي إنه نزل يشتري سجاير وما رجعش. فتشت البوليس كل حتة، ومالقوش حتى أثر حذاء.

— ولقيتيه... أنتِ بنفسك، مقتنع إنه مات ولا اختفى؟

— القانون قال لازم أستنى سبع سنين قبل ما أعلنه رسميًا متوفى. سبع سنين يا كريم، عشت فيها مش عارفة أفرح ولا أحزن.

المهلة المتبقية أمام كريم 5 ليالٍ من أصل سبع ليالٍ منحها الجابي

■ دفتر الدكتور وليد

أخذت الدفتر إلى البيت، وفتحته تحت ضوء خافت. كانت الصفحات الأولى عادية: نوبات عمل، ملاحظات عن مرضى، شكوى من قلة النوم. لكن من منتصف الدفتر، بدأ الخط يتغير، يصبح أسرع، أكثر توترًا.

«الليلة قابلتها مرة أخرى. تقول إنها لا تتذكر اسمها، لكنها تعرف وجهي كأنها انتظرتني طول عمرها. أعرف أن هذا مخالف لكل قانون، لكنني لا أستطيع أن أغلق ملفها.»

توقفت عن التنفس للحظة. كان أبي يصف بالضبط ما حدث معي، بنفس الكلمات تقريبًا، قبل أن أولد أنا بسنوات.

قلّبت الصفحات بسرعة أكبر، أبحث عن اسمها.

من آخر صفحات دفتر الدكتور وليد اسمها نور. تمامًا كما في كل مرة.
الجابي أعطاني سبع ليالٍ. الليلة السابعة الليلة.

— "تمامًا كما في كل مرة"؟ يعني مش أول مرة!

شعرت أن الغرفة تضيق حولي. لم تكن نور امرأة واحدة عبرت الرصيف مرتين فقط؛ كانت نفس الروح تتكرر، جيلًا بعد جيل، تختبر كل حارس جديد بنفس الاسم، ونفس الوجه تقريبًا، ونفس القدرة على جعله ينسى كل القوانين.

■ نور في الليل

ذهبت إلى المستشفى بعد منتصف الليل، رغم أن دوامي انتهى منذ ساعات. وجدتها مستيقظة تمامًا، تنظر من النافذة كمن ينتظر قطارًا لا يراه أحد غيرها.

الصورة 2 — نور في غرفتها بعد منتصف الليل، تنظر من النافذة كمن تنتظر شيئًا لا يراه أحد غيرها.
الصورة 2 — نور في غرفتها بعد منتصف الليل، تنظر من النافذة كمن تنتظر شيئًا لا يراه أحد غيرها.

— نور... هل تعرفين اسم أبي؟

وليد. كان اسمه وليد. وكان يحمل نفس الدفتر الذي بين يديك الآن، بخط يده نفسه تقريبًا.

— كيف تتذكرين هذا الآن ولم تتذكريه قبل يومين؟

كل ليلة أقترب أكثر من نفسي القديمة. وأخاف أن أتذكر كل شيء قبل أن تجد أنت اسمًا بديلاً، لأنني حينها سأعرف بالضبط من كان يُفترض أن يدفع الثمن في المرة السابقة.

أمسكت بيدها، فوجدتها باردة رغم دفء الغرفة.

— لن أختار اسم شخص بريء ليموت بدلك، نور. لن أفعل ما فعله أبي وتركني أدفع ثمنه وأنا لا أعرف حتى أنني مدين بشيء.

إذن دعني أعود أنا. وقّع على إلغاء التوقيع. أعيدوني إلى الرصيف، وأنهوا الأمر قبل أن تخسر أنت أيضًا.

— الأمين قال إن التوقيع لا يُلغى.

لم يقل هذا لأبيك. أبوك هو من اختار ألا يسأل.


■ ميزان يتذكر كل شيء

في طريق عودتي، مررت بجانب نافذة مظلمة في الطابق السفلي، وانعكست فيها صورة لا تشبه الممر الذي أعرفه. اقتربت، فرأيت الميزان النحاسي معلقًا في الفراغ خلف الزجاج، بلا الجابي هذه المرة، وكأنه تُرك لي وحدي لأتأمله.

الصورة 3 — الميزان كما ظهر في انعكاس النافذة، يحمل ظلّين متوهجين لرجلين من عائلة واحدة.
الصورة 3 — الميزان كما ظهر في انعكاس النافذة، يحمل ظلّين متوهجين لرجلين من عائلة واحدة.

على إحدى الكفتين، ظل متوهج يجلس بهدوء، ملامحه أقرب إلى الصور القديمة لأبي. وعلى الكفة الأخرى، ظل آخر، أصغر سنًا، لم أحتج لأكثر من ثانية لأدرك أنه أنا.

لم تكن الكفتان متعادلتين. كفة أبي أعلى قليلًا، فارغة من أي وزن حقيقي، وكأن دَينه لم يُسدد يومًا، بل انتقل فقط إلى الكفة الأخرى، في انتظار من يحمله.

ما فهمته من الانعكاس دون أن يخبرني أحد الدَّين لم يكن دَين أبي وحده. كان دَينًا موروثًا.
وكل حارس يهرب منه، يتركه لمن يأتي بعده من دمه.

اختفت الصورة بمجرد أن لمست الزجاج. عدت إلى البيت، وفتحت دفتر أبي على آخر صفحة، التي لم أقرأها بعد.

كان التاريخ المكتوب أعلاها هو نفس تاريخ اختفائه، بخط مرتجف واضح أنه كُتب على عجل، في آخر لحظات امتلك فيها القلم.

«يا كريم، إن كنت تقرأ هذا يومًا، فاعلم أنني لم أهرب، ولم أمت كما ظنّوا. أنا فقط أخّرت الحساب حتى يكبر الاسم الذي تركته خلفي ليحمله بدلًا مني. سامحني، فالميزان لا يعرف الرحمة، لكنه يعرف العدل: الاسم الأقرب إلى قلب الحارس... كان يُفترض أن يكون أنت منذ البداية.»
نهاية الإفادة الرابعة

خمس ليالٍ متبقية. وأبي لم يترك لي دَينًا فقط،
بل ترك لي اسمي أنا، مكتوبًا على كفة الميزان منذ قبل أن أولد.

شهادة
غير مكتملة

يتبع في الحلقة الخامسة

وريث الحارس

محطة بين الحيوات • قصة خيالية ميتافيزيقية بصياغة سينمائية
Tags

إرسال تعليق

0تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Accept !) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Learn More
Accept !
To Top