قبل أن ينتشر
قبل أن ينتشر
لم تكن الحقيقة في ملفٍّ أطول؛ كانت في قرارٍ بألا يتحوّل الملف إلى سلاحٍ جديد.
■ سجلّ لا يكتب القصة كاملة
لم تذهب سلمى إلى غرفة الإذاعة. وصلت إلى مبنى شؤون الطلاب وفي يدها الملف الأزرق، لا الهاتف الذي احتفظ بالتسجيل الكامل. كانت قد اتخذت قرارها في الليلة السابقة: لن تدخل بثًّا اختار غيرها موعده، ولن تثبت براءتها بإعادة صوتها إلى التداول.
وصلت نور بعدها بدقائق. لم تسألها إن كانت مستعدة لأن يسمع الناس التسجيل؛ سألتها إن كانت تريد أن تكون معها في اجتماع الرسوم. أجابت سلمى بهزة رأس، ثم جلستا قرب نافذة الممر. في الخارج، كان الحرم يستيقظ على عجل؛ وفي الداخل، بقيت شاشة هاتف سلمى مطفأة.
جاء رائد الكومي عند الثامنة واثنتين وعشرين دقيقة. دعاهم إلى غرفة جانبية في مكتب شؤون الطلاب، ثم فتح على حاسوبه صفحة إدارة «مرآة الحرم» من حسابه، بعد أن وافقت سلمى ونور على الاطلاع على سجلّ النشاط وحده. لم يحمل معه ملفًا صوتيًا. قال إنه لن يطلب منهما أن تصدّقاه هذه المرة؛ سيُريهما ما يستطيع السجلّ إثباته، وما لا يستطيع.
ظهرت ثلاثة أسطر في سجلّ الصفحة: السادسة وإحدى وأربعون دقيقة من صباح اليوم الأول، نشر المقطع القصير باسم رائد الكومي؛ الحادية عشرة وست وأربعون دقيقة من الليلة السابقة، جدولة بثّ التاسعة بحساب فارس العشري؛ ثم الحادية عشرة وثماني وخمسون دقيقة من الليلة نفسها، نشر صوت نور بالحساب ذاته. لم يظهر في خانة المرفقات أي ملف صوتي للبث.
لم يكن السجلّ نسخةً من الحقيقة كلها. كان يبيّن أيّ حساب نفّذ الأوامر، لا من أمسك الهاتف في كل لحظة؛ ولم يذكر من صنع المقطع الأول أو من أرسل الملف إلى الحساب المشترك. لكنه جعل اسم المدير الثاني واضحًا.

نور: كنت تعرف أن فارس يملك صلاحية النشر؟
رائد: نعم. لم أقل اسمه أمس. قلت لنفسي إنني أحتاج إلى سجلّ قبل أن أتهم أحدًا. والحقيقة أنني كنت أخاف أن أخسر الصفحة ومكاني فيها.
سلمى: وحين أخفيت اسمه، بقي اسمي أنا ظاهرًا في كل مكان.
لم يدافع رائد عن نفسه. أومأ فقط، ثم قال إنه سيبقي سجلّ النشاط محفوظًا للجهة التي تنظر في الشكوى. لم تطلب منه سلمى نسخة من التسجيل، ولم تفتح نور الملف على هاتفها. كان ما في الشاشة كافيًا للسؤال التالي.
■ النسخة التي لم تكن موجودة
دخل فارس العشري إلى مكتب شؤون الطلاب قبل التاسعة بثماني عشرة دقيقة. كان قد تلقّى طلبًا رسميًا للحضور، ومعه رائد بصفته أحد مديري الصفحة. لم يجلس فارس فورًا. وقف أمام الشاشة، قرأ السطور الثلاثة، ثم قال إن سجلّ الصفحة لا يكذب في هذه المرة.
سلمى: هل لديك التسجيل الكامل؟
نظر فارس إلى الملف الأزرق في يدها، ثم أجاب:
فارس: لا. لم يكن لديّ إلا المقطع القصير.
نور: إذن لماذا جدولت بثًّا بعنوان «النسخة الكاملة»؟
تأخر جوابه قليلًا. قال إنه أراد أن يبقى الناس متابعين للصفحة، وإنه توقّع أن يرسل صاحب الملف نسخة أطول إذا رأى أن البث سيحدث. ثم أضاف، من غير أن ينظر إلى سلمى، أنه أراد أيضًا أن ينشغل الجميع بالصفحة عند التاسعة، بدل أن يتركوا اعتراض الرسوم يدخل محضر اللجنة كما هو.
لم تكن هناك نسخة كاملة على حساب الصفحة، ولم يكن في البث المجدول ملفٌّ ينتظر التشغيل. كان العنوان وعدًا بلا مادة؛ طُعمًا للتفاعل، وضغطًا على سلمى في الوقت نفسه.
سلمى: وهل كنت ستقول للناس إنك لا تملك ما وعدتهم به؟
فارس: لا أعرف. لم أفكر إلى هذه النقطة.
سألت نور عن إرسال الخامسة وثماني وخمسين دقيقة. أقرّ فارس بأنه هو من استخدم حساب «مكتب اللجنة» وأرسل المقطع إلى مجموعة تنظيم الرحلة. قال إن ملف الثماني عشرة ثانية وصله قبل ذلك بقليل من حساب لا يعرف صاحبه، وإنه وجده مبتورًا كما وصل إليه. لم يسأل عن مصدره، ولم يطلب سياقه، ولم يتحقق من موافقة سلمى. سمّى ما فعله يومها «تنبيهًا للجنة»؛ لكنه اعترف الآن بأنه نقل مادة خاصة إلى مجموعة أوسع، فصار هو أول مرسل معروف في السلسلة.
نور: ومن نشر صوتي عند منتصف الليل؟
قال فارس إنه رفع المقطع إلى الصفحة بعد أن وصله من حساب لا يحمل اسمًا واضحًا. لم يسجل الصوت بنفسه، ولا يعرف من سجّله. لكنه عرف صوت نور، وعرف أن نشره سيجعل الشك يتجه إليها، ثم ضغط زر النشر. لم يقل إن الأمر حدث بالخطأ.
فارس: أردت أن أحمي موقعي، وأن تبقى الصفحة حيّة. كنت أرى الشك يتجه إليها، لكنني أقنعت نفسي أن ذلك مجرد «تفاعل».
أما رائد، فأقرّ بأنه أعاد نشر مقطع سلمى عند السادسة وإحدى وأربعين دقيقة، وكتب «الحقيقة لا تحتاج إلى شرح» لجذب التفاعل. وكان يستطيع إيقاف منشور نور بعد ظهوره، لكنه اختار ألا يفعل. لم يعد وراء الصفحة ظلٌّ واحد؛ ظهر ما أقرّ به فارس وما فعله رائد، وبقي مصدر الملفات بلا اسم.
نور: وهل استخدمتَ بطاقتي؟
قال فارس إنه لم يستخدمها، ثم أضاف قبل أن تجيبه: «لكن نفيي ليس دليلًا. سجلّ المرور يذكر رقم البطاقة، لا اليد التي حملتها. اتركوا فحصه للجامعة.» لم تشكره نور، ولم تتهمه. كتبت العبارة في دفترها كما قيلت.
لم يثبت سجلّ الصفحة من صنع القصّ الصوتي، ولم يكشف سجلّ الباب من مرّر البطاقة N-27. أما الحسابات المجهولة التي أرسلت النسخة القصيرة وصوت نور، فلم يظهر لها اسم يمكن التحقق منه. هذه الأسئلة ستبقى في التحقيق الرسمي؛ لن يملأها أحد بتخمين جديد.
طلبت سلمى من فارس أن يحذف المقطعين من الصفحة، لا أن يمحو أثر نشرهما، وأكدت نور موافقتها على حذف المقطع الذي يحمل صوتها. ثم طلبت منه أن يلغي البث، لا أن يمحو أثر تحديد موعده. فتح شاشة الإدارة، وألغى الموعد أمامهما. حفظ رائد صورة سجلّ النشاط بعد موافقتهما، وأُرفقت بشكوى شؤون الطلاب. عند الثامنة واثنتين وخمسين دقيقة، اختفى موعد التاسعة من الصفحة. لم يُشغّل صوت واحد.

■ سؤالٌ في محضر، لا في بثّ
عند التاسعة، انعقدت لجنة الأنشطة بحضور النصاب. جلست سلمى قبالة فارس، وإلى جوارها نور. لم تضع هاتفها على الطاولة، ولم تطلب من أحد تشغيل ملفها الخاص الذي لم تمنح أحدًا إذنًا ببثه. فتحت الملف الأزرق، وأخرجت طلب مراجعة الرسوم الذي قدّمته قبل أيام.
سلمى: لا أطلب أن تستمعوا إلى صوتي كي تصدقوا أن السؤال موجود. أطلب أن نراجع التكلفة، وأن نكتب بوضوح هل يستطيع الطالب المشاركة إذا عجز عن دفع المساهمة.
وضعت سحر محضر الجلسة في منتصف الطاولة. لم تعد عبارة «يؤجّل النظر في البند إلى موعد آخر» كافية؛ كان على اللجنة أن تكتب موعدًا ومسؤولية. حاول فارس أن يبدأ بشرح ما جرى على الصفحة، لكن سلمى أعادته إلى جدول الأعمال.
سلمى: لن أطلب منكم أن تكتبوا اسمي استثناءً. اكتبوا قاعدةً لا تحتاج إلى أن يعرف أحد دخل أسرتي.
بعد نقاش قصير، وافقت اللجنة على إجراء مؤقت: لا يُحرم أي طالب من المشاركة في الرحلة بسبب عجزه عن دفع المساهمة إلى أن تنتهي مراجعة التكلفة؛ وتُتاح طلبات الدعم بسرية، من دون إعلان أسماء أصحابها. وحددت اللجنة جلسة متابعة بعد خمسة أيام، على أن تُرفق بها قائمة واضحة بالنفقات.
دوّنت سحر القرار، وقرأته على الحاضرين قبل توقيعه. لم يُلغِ القرار ما قيل عن سلمى، ولم يُعد إليها صباحها الأول، لكنه أعاد بند الرسوم إلى مكانه في المحضر. هذه المرة لم يغطِّ فارس الورقة بملف الرحلة.
وقّع فارس إفادة منفصلة بما أقرّ به: أنه أرسل الملف من حساب اللجنة، ونشر صوت نور، وجدول بثًّا لم تكن لديه مادته. لم يوقّع على اتهام نفسه بقصّ التسجيل؛ لم يكن ذلك مثبتًا. وأحيلت الإفادة وسجلّ الصفحة إلى شؤون الطلاب، بينما فُتح طلب مستقل لفحص سجلّ البطاقة.
■ ما لا يصلحه زرّ الحذف
بعد الاجتماع، كتب رائد تصحيحًا باسمه على «مرآة الحرم». لم يرفق به صوت سلمى ولا صورة لها. قال إنه أعاد نشر ملف مبتور، ووضع له عنوانًا مضللًا، وإنه لم يتحقق من سياقه. وذكر أن حساب الصفحة نشر مقطعًا من صوت نور دون إذنها، وأن الصفحة حذفت المقطعين بعد حفظ سجلات النشر للجهة المختصة.
أضاف فارس اعترافه إلى التصحيح: هو من أرسل المقطع عبر حساب اللجنة، وهو من جدْول بثّ النسخة الكاملة، مع أنه لم يكن يملكها. لم يطلب من القراء أن ينسوا ما حدث، ولم يطلب من سلمى أن تعتذر عن كلامها. وحين سألها إن كانت ستسامحه، قالت إنها لا تملك جوابًا جاهزًا.
سلمى: سمعت اعتذارك. أما ما أحتاجه بعده، فسأقرره حين أراه في الأفعال.
وصلت إلى نور رسالة من مها. كتبت في مجموعة الدفعة أنها أعادت إرسال المقطع عند الحادية عشرة وست عشرة دقيقة، وأن نيتها التحذير لا تبرر ما فعلت. اعتذرت لسلمى من دون أن تطلب منها مسامحة سريعة. قرأت سلمى الرسالة، ثم أغلقت الهاتف. لم يكن الصمت قبولًا ولا رفضًا؛ كان لها أن تختار وقت جوابها.
في نهاية اليوم، أعادت نور ترتيب خطّ الزمن للمرة الأخيرة، وكتبت بجوار كل سطر ما يثبته فعلًا: الخامسة وثماني وخمسون دقيقة — فارس أرسل المقطع من حساب اللجنة، بإقراره؛ السادسة وإحدى وأربعون دقيقة — رائد أعاد نشره، كما يثبت سجل الصفحة؛ الحادية عشرة وثماني وخمسون دقيقة — حساب فارس نشر صوت نور؛ التاسعة صباحًا — بثّ بلا ملف، أُلغي قبل أن يبدأ. أما محرّر القصّ وصاحب البطاقة، فلم يمنحهما أي سجلّ اسمًا.
بقيت نسخ من التسجيل في هواتف لا تعرفها سلمى، ولم يُمحَ الضرر كله بتصحيح أو قرار. لكن «النسخة الكاملة» التي هدّدت بها الصفحة لم تكن موجودة عند من جدْول البث؛ بقي الأصل في حوزة سلمى، ولم يملك أحد حق نشره عنها.
عند السادسة وثماني عشرة دقيقة مساءً، وصل إلى مجموعة الدفعة سؤال مألوف: «هل عند أحد النسخة؟» ظهر سهم إعادة التوجيه تحت الرسالة، ثم بقي ساكنًا. كتبت مها قبل أن يجيب أحد: «لن أرسل تسجيلًا خاصًا. محضر اللجنة يوضح القرار، إن أرادت سلمى مشاركته.»
نظرت سلمى إلى نور، ثم قالت إنها توافق على إرسال خلاصة القرار وحدها. أرسلت نور خلاصة القرار كما وردت في المحضر، بعد أن حجبت أي بيانات لا تخص الطلاب، ولم ترفق صورة كاملة ولا تسجيلًا. لم تكن هذه المرة نسخةً أخرى تتسابق بين الهواتف؛ كانت معلومة اختارت صاحبتها أن تنشرها.
لم يعرفوا كل يدٍ ضغطت زرّ التسجيل، ولم يتحول الاعتذار إلى محوٍ لما حدث. لكنهم عرفوا ما أقرّ به فارس ورائد، ومَن نشر، ومَن امتنع أخيرًا عن تمرير الأذى. وقبل أن ينتشر، استطاعت سلمى أن تختار بنفسها ما يُقال عنها.
فارس أرسل النسخة القصيرة من حساب اللجنة، ونشر صوت نور، وجدول بثًّا بلا ملف؛ ورائد أعاد نشر المقطع وكتب عنوانه.
ما بقي غير محسوم:
من صنع القصّ الصوتي، ومن استخدم رقم البطاقة N-27، ومن أرسل الملفين إلى الحسابات.
قبل أن ينتشر
لم يختفِ كل أثر، لكن سلمى استعادت حقها في اختيار ما يُقال عنها.
مكتملة
مسار الحلقات الخمس
١. ثماني عشرة ثانية
٢. صوت الجرس
٣. سلسلة المشاركة
٤. من يربح من الفضيحة؟
٥. قبل أن ينتشر

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك