لو كانت السنة كلها رمضان!!
يذكرني رمضان بتلك الذكرى الخالدة..
ذكرى شجرة الخلد..
كان ذلك المخلوق الذي تغيظ منه إبليس الجني العنيد،
وأوقد لظى حقده وكبره، وكشف عن خبيئة أعماقه.. سوداء كاحلة لا نور فيها ولا وميض..
كان هو آدم ولا يزال أبنائه كلهم يستكثر معهم إبليس
غزواته وفتوحاته.. صولاته وجولاته..
موقعة الخلد..
كانت تلك أول موقعة يحقق فيها إبليس انتصاراً، بعدما
عاند الله ربه ولم يطع أمره وارتد إلى أصله النار التي جعلت عذاباً عليه وعلى كل
من يعصى الله بعده..
فلقد خلق الله جنة فيها حدائق غناء تجري من تحتها الأنهار
فلا هي تغرقها ولا تبردها، وقد كان ذلك المخلوق آدم من طين تصلصل كالفخار، خليفة
الأرض القادم يسرح في الجنة ويفعل ما يشاء، حتى خلقت حواء لتصبح نعيماً آخر في جنة
خالقه والتي هي مثواه ومثوى جند الله وحزبه من أبنائه..
ولكن أبى إبليس الأحمق على نفسه إباءاً، أن يذر ذلك
المخلوق الجديد يرتع في لهوه ونعيمه دون عصيان، أبى إلا أن يجعل الله الذي طرده من
رحمته، أن يطرد آدم هو الآخر من جنته ليتذوق طعم الخطيئة والغضب.
ولكن شتان بين خطايا دوافعها الكبر والحقد والحسد
والغيرة..
وخطايا الجهل والنسيان دون بغي أو عدوان..
فعصى آدم ربه..
وأكل من تلك الشجرة التي نهاه الله عنها..
فبدت له عورة حواء الجميلة وبدت لها عورته..
وسرعان ما أسرع كلاهما إلى شجر الجنة..
يتدثران
بأوراقها..
عساها تواري ما بدا وبان..
وضحك الشيطان..
فها هو المستور قد بان..
يا لذلك الإنسان الأجوف..
المحتاج دائماً..
لقد بدأت اللعبة..
ولقد فهم سره وبغيته..
الاحتياج، والطمع..
أزين له حاجته للخلود..
وغريزة البقاء في الوجود..
وأصنع له من الحيل والخداع..
لأوقعه في الآثام والطغيان..
ولقد عرف الله من إبليس مكره..
مال ذلك الشيطان المريد..
أنسي صفات ربه..
أنه غفور ودود ..
تواب رحيم..
حكيم عليم..
وأنى لمن نسي صفات ربه أن يعرفه حق معرفته؟!
ليعبده حق عبادته..
فلا عبادة دون معرفة..
ولقد عاش ذلك الشيطان يدرب جنده وأحزابه لإخفاء المعرفة
بالله عن أبناء آدم، ولطالما ابتدع لهم آلهة أخرى، وعاش يضللهم بالعقائد الزائفة..
ليضمن السيطرة..
والتضليل..
هبط آدم من الجنة ومعه حواء..
وإبليس يسعى خلفهم لتبدأ المعركة..
ومن سماء الطاعات عند الله..
إلى أرض العصيان..
فما كان من آدم إلا أن خاطب ربه بكلمات ناظراً إليه في
السماء..
فتاب الله عليه..
وانقلبت موازين المعركة..
فلقد خسر إبليس جولته الأولى..
ولقد عاهد نفسه على أن يمحو آدم من ذاكرته..
ليستكمل المسيرة بلا يأس ولا قنوط..
ولكي يمحو تلك المعركة الخاسرة من ذاكرة أبنائه..
فعليه أن ينسيهم أصلهم وأصل ذلك الكون الذي أوجده الله..
وخلقه ليستخلف فيه الكائنات الحية المتكاثرة..
وليبلو الله عناصر ذلك الكون بعضها ببعض..
وها هو ذلك المخلوق الطيني..
المتكاثر بماء يبذر في الأرحام..
فيتكون منه آخر يولد..
شقي أو سعيد..
مؤمن أو كافر..
من أهل الجنة أو النار..


رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك