ملف الساعة الثالثة: العميل الذي لم يكن موجودًا | الحلقة السادسة

0
غلاف الحلقة السادسة العميل الذي لم يكن موجودًا
ملف قصصي متخيّل • رُفعت عنه السرية
العملية التي لم يَعُد منها صاحب الظل

ملف الساعة الثالثة

الحلقة السادسة

العميل الذي لم يكن موجودًا

رقم الملف: صفر/317القاهرة — الإسكندرية19 نوفمبر 1999


ظهر وجهي فوق البطاقة الخالية ببطء..

في البداية ارتسمت عيناي، ثم الجبهة والفم، حتى اكتمل الوجه الذي رأيته في المرآة كل صباح طوال خمسة وخمسين عامًا.

لكن الاسم المكتوب تحته لم يكن نجيب عبد الرازق.

لم يكن هناك اسم أصلًا.

بطاقة الهوية المستخرجة من الصندوق البحريصفر / 317
الحالة: تم التفعيل

انطلق صوت الرجل ذي العصا الفضية من جهاز الإرسال داخل الصندوق:

«أهلًا بك يا عميل صفر… لقد استعدت ملفك بنفسك.»

مددت يدي نحو الجهاز، لكن الإشارة انقطعت. بقي صوت البحر يضرب بدن القارب، فيما كانت ليلى البحيري تنظر إليّ كما لو أن رجلًا آخر جلس مكاني.

— نجيب… من أخبرك أن عبد الرازق هو أبوك الحقيقي؟

لم أجب. لم أكن خائفًا من السؤال، بل من السرعة التي وجدت بها ذاكرتي إجابات تؤكده: لا شهادة ميلاد أصلية رأيتها بنفسي، لا صور لأمي وهي تحملني رضيعًا، ولا أقارب كانوا يتحدثون عن يوم ولادتي.

ومع ذلك، كان هناك شيء أكثر بساطة من الأوراق.

الرجل الذي علمني القراءة، وسهر بجوار مرضي، وحملني فوق كتفيه لم يكن يحتاج إلى ختم حتى يصبح أبي.




الصورة 31 — البطاقة المستخرجة من الحافظة البحرية بعد ظهور صورة نجيب عليها بفعل محلول كيميائي.
بداية الإفادة السادسة04:12 صخليج صخري غرب الإسكندرية

■ اسم يُمحى في مدينة أخرى

قالت ليلى وهي تفحص البطاقة تحت المصباح:

— الصورة لم تكن مخزنة عليها. المادة الحساسة التقطت وجه أقرب شخص حين لامستها المياه.

— إذن لم تكن البطاقة معدة لي؟

— كانت معدة لأي شخص يصل إلى الصندوق. لقد أرادوا أن يعتقد حاملها أنه العميل صفر.

كان ذلك تفسيرًا منطقيًا، لكنه لم يفسر الورقة التي حملت اسمي وتاريخ تفعيل الملف.

فتحت ليلى جهاز الفيلم المصغر مرة أخرى. في الإطار الأخير، بجوار صورة باب شقتي وعم حسان، ظهر رقم هاتف أرضي في القاهرة.

اتصلنا به من مقصورة القارب.

رد موظف ناعس في مصلحة السجلات. ادعيت أنني أتحقق من بيانات صحفي متوفى، وأعطيته اسمي وتاريخ ميلادي.

سمعت أصابعه تقلب الأوراق، ثم سألني:

— هل أنت متأكد من الاسم؟

— عشت به خمسة وخمسين عامًا.

— لا يوجد في السجل شخص بهذا الاسم وتاريخ الميلاد.

— كان موجودًا أمس.

— ربما كنت موجودًا أمس… أما عندي الآن فلا.

انقطع الخط.

في اللحظة نفسها، دار جهاز الفاكس الصغير في غرفة القارب. خرجت منه ورقة تحمل صورتي، وتحتها أمر بضبطي بتهمة انتحال هوية موظف صحفي مات سنة 1974.

كان اسم الموظف الميت:

الاسم المثبت في أمر الضبطنجيب عبد الرازق الهواري
تاريخ الوفاة: 11 أكتوبر 1974

لقد متُّ قبل خمسة وعشرين عامًا، في الأسبوع نفسه الذي مات فيه أبي ويوسف السيوفي واختفت السفينة النداء.


■ العودة إلى الأرشيف

دخلنا القاهرة بعد الظهر بسيارة يونس القديمة. لم نستخدم الطريق المعتاد، ولم نتوقف عند نقاط مزدحمة. تركنا الصندوق البحري عنده، وأخذنا الفيلم والبطاقة فقط.

كان أول مكان ذهبت إليه هو المؤسسة الصحفية.

وجدت مكتبي القديم قد أُفرغ. اختفت صوري ومقالاتي من الجدار، وحين سألت موظف شؤون العاملين عن ملف خدمتي، نظر إلى وجهي ثم إلى الدفاتر.

— حضرتك لم تعمل هنا.

— قضيت في هذا المبنى ثمانية عشر عامًا.

— ربما في جريدة أخرى.

فتحت سجل العاملين بنفسي. بين اسمين أعرفهما جيدًا كان هناك أثر صفحة انتُزعت حديثًا.



الصورة 32 — سجل العاملين بعد نزع الصفحة التي احتوت على بيانات نجيب. بقايا الورق تدل على أن الإزالة حديثة.

أما أرشيف مقالاتي على الحاسوب القديم، فقد تحول إلى مقالات باسم صحفي آخر. بقيت الكلمات كلماتي، وبقيت الأخطاء التي اعتدت ارتكابها، لكن اسمي اختفى.

— لا يمحونك، قالت ليلى. إنهم ينقلون حياتك إلى شخص آخر.

— ومن يستطيع تغيير كل هذا في ساعات؟

— رجل عمل بين السجلات ثلاثين سنة دون أن ينتبه إليه أحد.

هبطنا إلى القبو بحثًا عن عم حسان.

■ أمين الأسماء الميتة

كان عم حسان ينتظرنا بين رفوف الصحف. أمامه كوب شاي بارد، ومظروف بني مطابق للمظروف الذي وصل إلى شقتي.

— أنت الذي وضعته أمام بابي.

— نعم.

— وأنت الذي وقعت باسم أبي في سجل الاستعارة.

— نعم.

— هل اسمك حسان أصلًا؟

أدار كوب الشاي بين يديه.

— كان لي اسم حين دخلت الأرشيف، ثم صار الاسم خطرًا على من يحمله. عبد الرازق منحني اسم حسان، وعملًا لا يسأل صاحبه أين وُلد.



الصورة 33 — آخر صورة معروفة لعم حسان داخل القبو، ممسكًا بالمظروف الذي بدأ العملية.

— هل أنت العميل صفر؟

— العميل صفر ليس رجلًا. إنه مقعد فارغ يجلس عليه من نحتاج إلى إنكار وجوده.

أخرج من جيبه سبع بطاقات هوية، كل واحدة تحمل وجهًا واسمًا مختلفين، لكنها جميعًا تحمل رقم 317.

— صنعنا الهوية عام 1967 لتكون كبش فداء. إذا فشلت العملية، ننسب الخيانة إلى رجل غير موجود، فنحمي الرجال الحقيقيين. كان له ملف خدمة، وحساب، وتوقيعات، وحتى شاهد قبر… لكنه لم يولد.

— من استخدمها بعد العملية؟

— فؤاد النجار. أدرك أن الرجل الذي لا وجود له يستطيع دخول كل مكان والخروج من كل جريمة. صار يمنح الهوية لأتباعه، ثم يمحوهم ويستبدلهم.

— والرجل الذي قابلته في القطار؟

— حمل اسم سالم وصوته وعصاه. لكنه ليس سالم.

— أين سالم الحقيقي؟

— الجثة التي عُثر عليها في العربة هي سالم الحقيقي. كان محتجزًا منذ سنوات. أخرجوه وقتلوه حين احتاجوا إلى إثبات موته.

جلست فوق صندوق جرائد. كانت كل حقيقة تفتح بابًا إلى كذبة أكبر.

— هل عبد الرازق أبي؟

نظر عم حسان إليّ طويلًا.

— هو الرجل الذي اختارك لتعيش باسمه وتحمل أمانته. وإذا لم يكن هذا أبًا، فلا أعرف الأبوة.

— لم تجب.

— لأن الإجابة الوحيدة موجودة في ملف ميلادك الأصلي… داخل المدينة الزجاجية.


■ مصنع الهويات

قادنا عم حسان إلى رف يحمل أعداد سنة 1952. دفع المجلد الثالث، فانزلق جزء من الرف وظهر سلم يهبط أسفل القبو.

وجدنا غرفة طباعة قديمة: آلات كاتبة، أجهزة تغليف بطاقات، أختام بلا أسماء، ومئات الصور الشخصية المعلقة فوق أسلاك.



الصورة 34 — ورشة الوثائق القديمة تحت أرشيف الصحيفة؛ استُخدمت لإنشاء الهويات المتتابعة للملف صفر/317.

— الصحيفة كانت غطاءً مثاليًا، قال عم حسان. الحبر والورق والصور تصل إليها دون إثارة الأسئلة.

فتح خزانة حديدية وأخرج منها سجلًا أسود. احتوى على تواريخ تفعيل هوية العميل صفر منذ 1967.

ظهر اسم جديد كل عدة سنوات، ثم كلمة «أُغلق» بالحبر الأحمر.

وكان آخر اسم في السجل اسمي.

— من كتبه؟

— ليس أنا. حين سلّمتك المظروف كان السطر خاليًا.

فحصت ليلى الحبر.

— كُتب قبل أقل من يوم.

وتحت اسمي وُجد أمر واحد:

أمر تشغيل — صفر/317

المهمة: استعادة السجل الحقيقي.

الموقع: مصنع المدينة للزجاج — الطريق الساحلي.

موعد الإغلاق: الثالثة فجرًا، 20 نوفمبر 1999.

— ماذا يعني الإغلاق؟

— أن حياتك ستُنقل إلى عميل جديد، قال عم حسان. وأن جسدك سيصبح الدليل الوحيد على أن نجيب عبد الرازق كان موجودًا.

سمعنا باب القبو يُغلق فوقنا.

ثم انطفأت الأنوار.

قال صوت عبر مكبر قديم في السقف:

— شكرًا يا حسان. لقد حفظت الورشة لنا أفضل مما توقعت.

عرفت الصوت.

كان صوت الرجل ذي العصا الفضية.

— اتركوا الفيلم والبطاقة، وسنسمح للصحفي أن يموت باسمه الحقيقي.

همس عم حسان:

— خلف آلة الطباعة باب يؤدي إلى سلم الخدمة. حين أطفئ المولد اركضا، ولا تنظرا خلفكما.

— ستأتي معنا.

— أمين الأرشيف لا يغادر قبل أن يحرق الفهرس.

أشعل عود ثقاب وألقاه داخل سلة تحوي شرائط وأوراقًا معالجة. ارتفع دخان كثيف، وانطلقت صفارة الحريق. فتح لنا الباب السري، ثم أغلقه خلفنا.



الصورة 35 — سلم الخدمة المؤدي من ورشة الوثائق إلى سطح المؤسسة. لم يُعثر على عم حسان بعد الحريق.

صعدنا بينما كانت خطوات رجال تهبط من أعلى. خرجنا في الطابق الثالث، واختلطنا بالموظفين الذين يهربون من إنذار الحريق.

عند الباب الخارجي التفتُّ إلى نافذة القبو.

رأيت عم حسان خلف الزجاج، ووراءه رجل يرفع عصا فضية.

ثم غطى الدخان كل شيء.

■ الطريق إلى المدينة الزجاجية

كان داخل السجل الأسود مفتاح آخر لم أنتبه إليه: شريحة زجاجية رفيعة حُفر عليها مخطط مبنى. حين وضعتها فوق الخريطة البحرية، تطابق أحد خطوطها مع موقع قديم على الطريق الساحلي.

بحثت ليلى في أرشيف الصحف الذي صورته قبل الحريق. ظهر إعلان يعود إلى الستينيات عن «مصنع المدينة للزجاج»، ثم خبر إغلاقه سنة 1974 بعد انهيار أرضي.

— السنة نفسها مرة أخرى، قالت.

وصلنا إلى المصنع قبل منتصف الليل. كان مهجورًا في الظاهر؛ نوافذه محطمة، ومدخنته مائلة، والبوابة تأكلها الأعشاب.

لكن تحت أرضية إحدى القاعات ظهر ضوء أبيض منتظم.



الصورة 36 — مصنع المدينة للزجاج قبل ساعات من العملية. توضح الإضاءة وجود منشأة عاملة تحت المبنى المهجور.

أخرجت الشريحة الزجاجية. كانت الخطوط فوقها تشكل مسارًا من البوابة إلى فرن الصهر القديم. وفي نهايته كُتبت جملة بخط أبي:

«المدينة الزجاجية لا تخفي من بداخلها… بل تجعل كل واحد يظن أنه يرى الآخرين، بينما يراه الجميع.»

رأينا سيارة سوداء تدخل من بوابة جانبية.

نزل منها الرجل ذو العصا الفضية.

وبجواره رجل مسن لم أرَه من قبل، لكن ليلى عرفته من الصورة القديمة.

— هذا فؤاد النجار.

كان الرجل الثالث من اليمين، صاحب العينين اللتين لم تنظرا إلى الكاميرا.

دخل الاثنان المصنع.

وبعد لحظات أضاءت الأرضية الزجاجية تحت أقدامنا، فظهرت في العمق مدينة كاملة من الممرات والغرف الشفافة.

وفي أكبر غرفة رأيت جدارًا مليئًا بشاشات المراقبة.

كانت إحدى الشاشات تعرض شقتي في المنيل.

والثانية تعرض أرشيف الصحيفة المحترق.

أما الثالثة فكانت تعرضنا أنا وليلى واقفين فوق الزجاج في اللحظة نفسها.

جاء صوت فؤاد النجار من مكبرات المصنع:

أول اتصال مباشر بفؤاد النجارأهلًا بك يا نجيب.
وصل العميل صفر في موعده.

ثم انقسمت الأرضية الزجاجية تحت أقدامنا إلى نصفين.

نهاية الإفادة السادسة

سقطنا إلى المدينة التي ترى كل شيء…
ولا تسمح لأحد بالخروج حاملًا اسمه.

رُفعت
عنه السرية
يتبع في الحلقة السابعة

ليلة سقوط المدينة الزجاجية

ملف الساعة الثالثة • قصة خيالية بصياغة وثائقية
بقلم محمد صلاح عبد الخالق

إرسال تعليق

0تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Accept !) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Learn More
Accept !
To Top