ملف الساعة الثالثة: رسالة من قاع البحر| الحلقة الخامسة

0
غلاف الحلقة الخامسة رسالة من قاع البحر
ملف قصصي متخيّل • رُفعت عنه السرية
العملية التي لم يَعُد منها صاحب الظل

ملف الساعة الثالثة

الحلقة الخامسة

رسالة من قاع البحر

رقم الملحق: 317/بالإسكندرية — البحر المتوسط18 نوفمبر 1999

البحر لا يحتفظ بأسرار البشر..

إنه فقط يؤجل إعادتها، حتى ينسى أصحابها أنهم ألقوها فيه.

وقفت فوق سطح العمارة في المنشية، أقبض على سماعة جهاز الإرسال، بينما كانت كلمات يوسف السيوفي تدور في رأسي:

«ابحثوا عن السفينة في المكان الذي لا يصل إليه البحر… تحت المدينة الزجاجية.»

خلفي كانت الشقة رقم 13 تلفظ دخانها من النوافذ، وأمامي امتد المتوسط رماديًا كصفحة مُحي ما كُتب فوقها. وفي جيبي شريط قيل إنه سُجل على سفينة غرقت سنة 1974، ثم ظل أحدهم يعيد إرسال رسالته خمسة وعشرين عامًا.

أما سالم عز الدين، الرجل الذي سلمني خيط الحقيقة داخل القطار، فقد أخبرني صوت مجهول أنه وُجد ميتًا في عربة مهجورة.

لم أعد أعرف مَن مات فعلًا، ومن مات على الورق، ومن عاش مرتديًا اسم رجل آخر.

بداية الإفادة الخامسة08:26 صبعد ساعتين وخمس وأربعين دقيقة من دخول الشقة 13

■ المرأة التي تسمع ما يقوله الصمت

كان خلف البوصلة النحاسية اسم صغير محفور بإبرة: «ليلى البحيري — محطة الأنفوشي».

وجدت المحطة في مبنى قديم تابع لمركز أبحاث بحري، عند طرف الميناء. لم تكن ليلى موظفة هناك كما توقعت؛ كانت مهندسة اتصالات تركت العمل الرسمي منذ سنوات، لكنها احتفظت بغرفة مليئة بأجهزة الراديو والسماعات وأشرطة التسجيل.

فتحت لي الباب امرأة في منتصف الأربعينيات، شعرها مربوط إلى الخلف، ونظرتها لا تمنح الثقة بسهولة.

— من أرسلك؟

— رجل مات في قطار، ورجل آخر تكلم من البحر.

كادت تغلق الباب، فأخرجت البوصلة.

تغير وجهها، وجذبتني إلى الداخل.



الصورة 25 — غرفة تحليل الإشارات بمحطة الأنفوشي؛ تظهر بكرة الشريط والبوصلة المستخرجان من الشقة 13.

— هذه كانت لأبي، قالت. كان كبير مهندسي اللاسلكي على السفينة النداء.

— اسمه موجود في سجل الطاقم؟

— لا. لم يكن أحد من الطاقم مسجلًا باسمه الحقيقي.

أعطيتها الشريط. لم تضعه في الجهاز مباشرة، بل فحصت حوافه بعدسة، وشمت رائحته، ثم قالت:

— الشريط من عام 1974، لكن آخر مرة مر فوق رأس تسجيل كانت حديثة. منذ أيام، لا سنوات.

— هل يمكن أن يكون الصوت قد أُضيف؟

— يمكن تزوير صوت الرجل، لكن لا يمكن تزوير البحر بسهولة. لكل ميناء ضوضاؤه، ولكل محرك نبضه، وحتى الأمواج تحمل توقيع المكان.

شغّلت التسجيل، ومررته عبر مجموعة من المرشحات. اختفى صوت يوسف، ثم صوت سالم، وبقي هدير خافت تحت الكلام.

كبرته ليلى حتى تحول إلى نبضات منتظمة.

— هذه ليست أمواجًا.

— ما هي؟

— جهاز إرسال آلي. سبع نبضات، صمت، ثلاث، ثم نبضة واحدة، ثم سبع.

النمط الصوتي المخفي7 • 3 • 1 • 7
إشارة تتكرر كل ثلاث دقائق


الصورة 26 — مخطط الإشارة المخفية أسفل صوت يوسف السيوفي. الجزء الأخير يكرر مفتاح 317.

وضعت ليلى سماعة كبيرة فوق أذني، وأبطأت الشريط إلى ربع سرعته. بين النبضات ظهر صوت آخر شديد الخفوت، يعد بالعكس:

— سبعة… ستة… خمسة… أربعة… ثلاثة… اثنان… واحد.

ثم صوت طرق معدني، كأن أحدهم يضرب جدارًا من الداخل.

— هل كان هناك أحياء داخل الحطام؟

— هذا التسجيل ليس من لحظة الغرق. الإشارة الحالية صادرة الآن.

— الآن؟ بعد خمسة وعشرين عامًا؟

— هناك جهاز في البحر يعيد بث الرسالة كل ليلة عند الثالثة. إما أن بطاريته خالفت قوانين الطبيعة… أو أن شخصًا يذهب لتغييرها.


■ الإحداثيات الكاذبة

نشرت ليلى الخريطة البحرية فوق الطاولة، ووضعت عليها القصاصة التي خرجت من ساعة أبي. أشارت الإحداثيات إلى نقطة تبعد أميالًا عن الميناء.

لكنها هزت رأسها.

— لو غرقت السفينة هنا، لحملها التيار شرقًا. الحطام الذي ظل في مكانه ربع قرن يجب أن يكون محميًا داخل منخفض صخري.

— ربما الإحداثيات مزيفة.

— أو ليست إحداثيات غرق. انظر.

قلبت القصاصة أمام مرآة. تحولت الأرقام إلى موقع آخر قريب من لسان صخري مهجور.

— أبوك كتبها لتُقرأ منعكسة، مثل وجهه في الصورة.

اتصلت ليلى بقارب أبحاث صغير يقوده رجل يُدعى يونس الديب، غواص سابق يعرف قاع الإسكندرية كما يعرف شوارعها.

رفض في البداية، حتى ذكرت اسم السفينة.

— النداء لم تغرق، قال. رأيتها وأنا صبي ليلة اختفائها. كانت تدخل الميناء بلا أنوار، لا تخرج منه.

— والسجلات تقول إنها أرسلت الاستغاثة في عرض البحر.

— السجلات تكتب ما يقوله الحبر. أنا رأيت ما قاله الماء.

■ الرحلة التي بدأت عند الثالثة

انتظرنا حلول الليل. لم يكن بوسعي إبلاغ الشرطة، ولم أعد أثق في هاتف أو اسم أو شهادة وفاة. حملنا جهاز تحديد صوتي، وكاميرا تحت الماء، وحبلًا طويلًا لاستعادة ما قد نجده.

خرج القارب من الميناء قبل الثالثة بعشرين دقيقة. كانت المدينة خلفنا تتراجع، فيما تمدد البحر أمامنا بلا علامات.

لم تُسجل الرحلة في دفتر حركة الميناء، ولم يعرف أحد على اليابسة وجهتنا الحقيقية.

عند الثانية وتسع وخمسين دقيقة لم يظهر شيء فوق شاشة الجهاز.

وحين تحرك العقرب إلى الثالثة تمامًا، جاءت النبضات:

سبع… ثلاث… واحدة… سبع.

تبعنا الصوت حتى انخفض عمق البحر فجأة. ظهرت فوق الشاشة كتلة طويلة مستقرة بين جدارين صخريين.

— طولها اثنان وسبعون مترًا، قال يونس. هذه سفينة.

أنزلنا الكاميرا. ابتلعها الماء، ثم ظهرت صورة زرقاء مضطربة: رمال، صخور، أسراب سمك… وبعدها مقدمة سفينة جاثمة في القاع.

لم يكن بدنها ممزقًا، ولم تظهر آثار انفجار. كانت قائمة فوق قاعها كما لو أنها أُنزلت عمدًا.

وعلى جانبها ظهر اسم باهت:

الحطام المكتشفالنداء
لا توجد آثار غرق طبيعي


الصورة 28 — أول تصوير معروف لحطام «النداء». يظهر جهاز الإرسال الحديث مثبتًا خارج غرفة اللاسلكي.

ظهر ضوء صغير يومض قرب غرفة اللاسلكي.

قالت ليلى:

— هذا هو جهاز الإرسال. لكنه ليس من السبعينيات.

استعد يونس للنزول. ثبت الكاميرا فوق خوذته، وربط الحبل حول خصره، ثم اختفى في الماء.

تابعناه على الشاشة وهو يقترب من السفينة. وجد كابلًا جديدًا يمتد من الجهاز إلى صندوق معدني محكم مثبت في بدن الحطام.

مد يده إلى الصندوق.

عندها التقط جهاز اللاسلكي رسالة قصيرة من مصدر مجهول:

«اتركوا الصندوق في القاع… وسيُسمح لكم بالعودة.»

رفعنا رؤوسنا. ظهر في الضباب ضوء كشاف قوي، وخلفه مركب صيد أسود بلا اسم أو علم.


■ المركب الأسود

اقترب المركب بسرعة، محاولًا المرور فوق حبل الغواص. أدرك يونس الخطر وفصل الصندوق عن بدن السفينة، بينما بدأنا سحبه إلى السطح.

انقطع إرسال الكاميرا.

— يونس! هل تسمعني؟

لم يجب.

أدار قائد المركب الأسود كشافه نحو عيوننا. جاء الصوت عبر اللاسلكي مرة أخرى:

— الملف ليس لكم.

— لمن إذن؟

— للرجل الذي لم يكن موجودًا.

ظهر يونس على سطح الماء، يسحب الصندوق بيد ويشير باليد الأخرى. جذبناه في اللحظة التي اندفع فيها المركب الأسود إلى جوارنا.

احتك بدن المركبين، وتحطم جزء من السور. سقط الصندوق فوق السطح وانفتح منه سلك دقيق يشبه الهوائي.

صرخت ليلى:

— لا تقطعوه! هو الذي يعيد إرسال الرسالة.

أدار يونس القارب ناحية الصخور الضحلة التي لا يستطيع المركب الأكبر دخولها. لاحقنا الكشاف فوق الأمواج، لكن المسافة بيننا اتسعت.



الصورة 29 — المركب المجهول الذي حاول قطع خط الغواص والاستيلاء على الصندوق المستخرج من الحطام.

قبل أن يختفي المركب في الضباب، وقف رجل عند مقدمته.

لم أرَ ملامحه، لكنني رأيت عصاه الفضية.

كانت عصا سالم عز الدين.

إما أن سالم لم يمت… أو أن الرجل الذي قابلته في القطار لم يكن سالم من البداية.

■ الصندوق الذي انتظر ربع قرن

دخلنا خليجًا صخريًا بعيدًا عن خط الملاحة. أغلق يونس المحرك، وفتحنا الصندوق بالمفتاح 317.

كان داخله جافًا تمامًا.

وجدنا بكرة فيلم صغيرة، وصورة أخرى للرجال الثمانية قبل محو أبي، وبطاقة هوية لم يُكتب فيها اسم ولم تُلصق عليها صورة، وملف خدمة لا يحتوي إلا على صفحات بيضاء.

وفي القاع أسطوانة تسجيل قصيرة.



الصورة 30 — محتويات الحافظة البحرية: فيلم مصغر، بطاقة بلا اسم، ملف فارغ، وصورة المجموعة قبل التعديل.

أدارت ليلى الأسطوانة في جهاز محمول. جاء صوت أبي واضحًا:

— إذا سمعتم هذا التسجيل، فقد وجدتم النداء. لا تبحثوا عن قائمة الأسماء داخل السفينة؛ لم تدخل البحر يومًا.

ثم جاء صوت يوسف السيوفي:

— الخيانة لم تبدأ من الرجال السبعة. كان هناك رجل تاسع أُنشئ له ملف، وراتب، وشهادة ميلاد، دون أن يولد.

عاد صوت أبي:

— سميناه العميل صفر. كانت مهمته أن يحمل ذنب الخائن الحقيقي إذا فشلت العملية. لكن أحدهم استخدم هويته بعد انتهاء المهمة.

التقطت البطاقة الخالية.

— رجل بلا اسم ولا وجه.

— لهذا يستطيع أن يكون أي رجل، قالت ليلى.

شغلت الفيلم المصغر تحت عدسة الجهاز. ظهرت سجلات سفر وتوقيعات وصور مراقبة لأشخاص مختلفين؛ مدرس، دبلوماسي، بحار، وضابط متقاعد. كانت الوجوه مختلفة، لكن الجميع يحملون رقم الملف نفسه:

رقم الهوية الوهميةصفر / 317
الاسم الحركي: لا يوجد

وفي الإطار الأخير ظهرت صورة حديثة التُقطت في القاهرة.

رأيت باب شقتي في المنيل.

ورأيت الرجل الذي وضع المظروف أمامه ليلة السابع عشر من نوفمبر.

كبرت ليلى الصورة.

لم يكن سالم.

ولم يكن صاحب النظارة السوداء.

كان الرجل هو عم حسان، أمين أرشيف الصحيفة.

— هذا الرجل يعمل في المؤسسة منذ أكثر من ثلاثين عامًا.

— وهل رأيت يومًا شهادة ميلاده؟

قلبت بطاقة الهوية الفارغة، فوجدت كتابة بدأت تظهر فوقها بعدما لامستها مياه البحر.

لم يكن اسم عم حسان.

كان اسمي أنا:

ملف خدمة — صفر/317

الاسم الحالي: نجيب عبد الرازق الهواري

تاريخ التفعيل: 17 نوفمبر 1999

الحالة: لم يوجد بعد

نظرت إلى ليلى، لكنها تراجعت خطوة.

— نجيب… مَن أخبرك أن عبد الرازق هو أبوك الحقيقي؟

وقبل أن أجيب، اشتغل جهاز الإرسال داخل الصندوق وحده.

خرج منه صوت الرجل ذي العصا الفضية:

«أهلًا بك يا عميل صفر… لقد استعدت ملفك بنفسك.»

ثم أضاءت البطاقة الخالية، وظهرت فوقها صورة وجهي.

نهاية الإفادة الخامسة

كنت أبحث عن رجل لم يكن موجودًا…
فاكتشفت أن الملف اختارني لأصبح ذلك الرجل.

رُفعت
عنه السرية
يتبع في الحلقة السادسة

العميل الذي لم يكن موجودًا

ملف الساعة الثالثة • قصة خيالية بصياغة وثائقية
بقلم محمد صلاح عبد الخالق

إرسال تعليق

0تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Accept !) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Learn More
Accept !
To Top