طابورٌ واحد: بين الكفر والفقر

0

طابورٌ واحد: حكاية حارةٍ نسيت خبزها وتذكّرت خلافهاقبل أن يستيقظ الأذان تماماً، وقبل أن تفتح الكنيسة القريبة أبوابها لقدّاس الفجر، كان طابور العيش قد بدأ يتشكّل أمام فرن الحارة كخيطٍ بشريٍّ طويل. لم يكن أحدٌ في ذلك الطابور يسأل جاره عن دينه أو عن مذهبه؛ كان الجميع يسألون سؤالاً واحداً: "هيكفّي الدقيق النهارده وﻻ ﻷ؟"

كانت الحارة صغيرة، بيوتها متلاصقة كأصابع اليد الواحدة، تتقاسم الجدران والأسلاك والحكايات. فيها عم رجب صاحب البقالة، وأم مينا الأرملة التي تخيط الملابس لتُطعم أولادها، وهند الفتاة التي تخرج كل صباح إلى عملها في المصنع فتلاحقها الألسن قبل أن تلاحقها الشمس. حارةٌ فقيرةٌ في جيبها، غنيّةٌ في قلبها، حتى جاء اليوم الذي كاد قلبها يفقر أيضاً.


🏚️ الحارة التي تأكل همّها قبل خبزها

كان الغلاء قد جثم على صدور الناس كضيفٍ ثقيل لا يرحل. ارتفع سعر الزيت، وتضاعف ثمن أنبوبة الغاز، وصار كيلو اللحمة حلماً يُؤجَّل إلى العيد. في المساءات، كان الرجال يجلسون على المقهى يقلّبون في هواتفهم أكثر مما يقلّبون في أحوالهم، يبحثون عن نافذةٍ تُخرجهم ولو للحظة من ضيق النهار.

وفي تلك النوافذ الصغيرة المضيئة، بدأت العدوى الحقيقية. لم تكن عدوى مرضٍ، بل عدوى جدلٍ لا ينتهي: مقطعٌ لشيخٍ يهاجم، وردٌّ من قسٍّ يُهاجَم، ومنشورٌ يسأل: "مين اللي المفروض يصرف على البيت، الراجل وﻻ الست؟" فتشتعل التعليقات كأنها حطبٌ جاف انتظر شرارته طويلاً.

"الجائع لا يشبع بخصامٍ، لكنّه أحياناً يمضغ الخلاف ليُنسي معدته أنها فارغة."

📱 حين تسلّل الجدل من الشاشة إلى الجدار

شيئاً فشيئاً، خرج الكلام من الهواتف إلى أفواه الحارة. صار سلامٌ صباحيٌّ عابرٌ بين عم رجب وأم مينا موضعاً للهمس: "بيسلّم عليها ليه؟". وصارت هند حين تعود من المصنع متعبةً تسمع من يقول: "شغل الستات ده هو اللي خرّب البيوت". انقسم شباب المقهى إلى فريقين يتراشقان بالآيات والأدلة، ونسي كلٌّ منهم أن أنبوبة الغاز في بيته هي نفسها فارغة، وأن أجرة المدرسة واحدةٌ لا تفرّق بين مسلمٍ ومسيحيٍّ، ولا بين رجلٍ وامرأة.

كبرت الشرارة حتى كادت تحرق. تجمهر شبابٌ غاضبون ذات مساء عند مدخل الحارة، صدورهم مشحونةٌ بكلامٍ سمعوه ولم يفهموه، ووجوهٌ كانت بالأمس تتقاسم رغيف العيش صارت اليوم تتبادل النظرات كالغرباء. كانت الحارة على شفير أن تتحول من عائلةٍ واحدة إلى معسكرين.

🔥 الليلة التي أطفأت النار كل الخلافات

في تلك الليلة بالذات، وبينما الألسن مشتعلة، اشتعل شيءٌ آخر حقيقي. انفجرت أنبوبة غازٍ في الطابق الأرضي من بيت أم مينا، فصعد الدخان يلتهم السلّم، وعلق مينا الصغير في الأعلى يصرخ. لم تسأل الحارة وقتها عن دينٍ ولا عن جنس. ركض شباب المقهى — بفريقيهما المتخاصمين — نحو النار كتلةً واحدة. صعد أحدهم على كتف الآخر، ومدّت هند سلّم المصنع الذي أحضرته مسرعةً، وحمل عم رجب طفايةً كان يخبّئها في بقالته لسنوات دون أن يحتاجها.

خرج مينا سالماً بين أذرعٍ كثيرة، لا يعرف أيُّها كانت لمسلمٍ وأيُّها لمسيحيّ، ولا أيُّها لرجلٍ وأيُّها لامرأة. كانت كلها أذرعاً واحدة، تنقذ ابن الحارة.

جلس الجميع بعدها على الرصيف مغبَّرين، يلتقطون أنفاسهم. نظر عم رجب إلى الشباب الذين كانوا بالأمس فريقين وقال بصوتٍ خفيض: "النار ما سألتش حد بيصلّي فين. طب إحنا بنتخانق ليه؟". لم يردّ أحد، لكن كثيرين خفضوا رؤوسهم، وأطفأ بعضهم شاشات هواتفهم في صمت.

🕊️ في الصباح التالي، عاد طابور العيش كما كان: خيطٌ بشريٌّ واحد، لا يفرّق بين دينٍ ودين، ولا بين رجلٍ وامرأة. أدركت الحارة أن الموجات التي تُغرقنا في الجدل لا تُطعم جائعاً ولا تُدفئ بيتاً، وأن مَن يريد أن يقسم رغيفنا، يبدأ دائماً بأن يقسم قلوبنا. فلنحرس الطابور الواحد.. فهو خبزنا وأماننا معاً.

Tags

إرسال تعليق

0تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Accept !) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Learn More
Accept !
To Top