حدوتة سلمى ومصباح المدينة

0




حكاية سلمى ومصباح المدينة

يُحكى أنه كان يا ما كان، في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، مدينةٌ عجيبةٌ اسمها "مدينة الأنوار". وكان في وسطها منارةٌ عاليةٌ يتوهّج على قمّتها مصباحٌ ذهبيٌّ كبير، لا ينطفئ ليلًا ولا نهارًا. كان ذلك المصباح سرَّ المدينة؛ فنورُه يدفئ البيوت، ويهدي التائهين، ويجمع الناس على المحبة، فلا يعرفون خوفًا ولا وحشة.

وكان يسهر على المصباح رجلٌ طيّبٌ يُدعى "عمّ نجيب"، يملؤه بالزيت كل مساء، وله ابنةٌ صغيرةٌ شجاعةٌ اسمها سلمى؛ عيناها تلمعان كالنجوم، وقلبها لا يعرف اليأس. كانت تصعد معه المنارة كل ليلة، فيحكي لها كيف أن نور المصباح ليس من الزيت وحده، بل من أمل الناس ومحبّتهم.


🌑 الليلة التي انطفأ فيها النور

وفي المدينة وزيرٌ ماكرٌ يُدعى "قَتام"، كان قلبه أسودَ كالليل، يكره الضوء لأنه يكشف حِيَله. قال في نفسه: "ما دام الناس يرون في النور، فلن يخافوني أبدًا! ولكن.. إن عمّ الظلامُ، صاروا كلهم عبيدًا لي، يستجدون شمعةً من يدي." فتسلّل ذات ليلةٍ حالكة، وسكب على المصباح ماءً أسودَ مسحورًا، فانطفأ المصباح لأول مرة منذ مئة عام!

عمّ الظلامُ المدينةَ، وبرد الناسُ وتاهوا، وخيّم الحزن على القلوب. وأعلن قَتام أنه وحده يملك الشموع، فمن أراد ضوءًا فليطع أوامره. وحين حاول عمّ نجيب أن يُشعل المصباح من جديد، لم يشتعل؛ فقد سرق قَتام سرّه. وفي غمرة الظلام، مرض عمّ نجيب من الحزن، فجلست سلمى بجانبه، فهمس لها بآخر قوّته:

"يا سلمى.. لا يُعيد النورَ إلا الجمرةُ الأولى؛ جمرةٌ من نار المحبة الأولى، مخبّأةٌ في قلب جبل الضباب، وراء ثلاثة أبواب. لكنها لا تُعطى إلا لمن قلبُه أنقى من الضوء. اذهبي يا صغيرتي.. فالمدينة كلها تنتظرك."

🦊 الأبواب الثلاثة

حملت سلمى فانوسًا خاليًا وقليلًا من الخبز، ومضت في الظلام نحو جبل الضباب. وفي الطريق، لمحت ثعلبًا صغيرًا يرتجف من البرد، فخلعت له وشاحها ولفّته به. فتكلّم الثعلب — وكان ثعلبًا عجيبًا! — وقال: "أنتِ أول من رقّ لحالي، فدعيني أكون دليلَكِ." ومشى أمامها يشقّ لها الضباب.

عند الباب الأول، وجدت سلمى جسرًا مكسورًا فوق وادٍ سحيق، وبجانبه عجوزٌ تحمل حزمة حطبٍ ثقيلة تعجز عن العبور. لم تفكّر سلمى في نفسها، بل حملت الحطب عن العجوز وساعدتها خطوةً خطوة. فإذا بالعجوز تبتسم ويتحوّل الجسر المكسور إلى جسرٍ متين، وقالت: "مَن يحمل عن غيره ثِقله، يخفّ عنه طريقه." وكان هذا اختبار الرحمة.

وعند الباب الثاني، وقف تمثالٌ حجريٌّ ضخمٌ لا يفتح إلا لمن يحلّ لغزه، فسألها: "ما هو الشيء الذي كلما أعطيتَه أكثر، كبِر، وكلما أمسكتَه لنفسك، صغُر؟" فكّرت سلمى وتذكّرت كلمات أبيها، فأشرق وجهها وقالت: "النور! أو الخير.. فكلاهما يزيد بالعطاء!" فانشقّ الباب، وقال التمثال: "ذكيّةٌ وقلبُكِ نظيف." وكان هذا اختبار الحكمة.

وعند الباب الثالث — وهو الأصعب — رأت سلمى غرفةً تفيض بالذهب والجواهر، وفي وسطها الجمرةُ الأولى تتوهّج. همس لها صوتٌ خبيث: "خذي الذهب واتركي الجمرة، فالذهب يكفيكِ أنتِ وأباكِ العمر كله!" لكن سلمى تذكّرت المدينة الباردة في الظلام، فأدارت ظهرها للذهب كلّه، ومدّت يدها إلى الجمرة. فلم تحرقها الجمرة، بل دفّأت كفّها بلطف! وكان هذا اختبار الإيثار.

💡 عودة الأنوار

عادت سلمى تحمل الجمرة في فانوسها، والثعلب يجري أمامها فرحًا. لكن الوزير قَتام كان بانتظارها عند المنارة مع حرّاسه، وصاح: "لن تُشعلي شيئًا! المدينة لي وحدي!" وأطفأ فانوسها بنفخةٍ من سحره الأسود. أظلمت الجمرة.. وساد الصمت. ظنّ الجميع أن الأمل قد ضاع.

لكنّ سلمى تذكّرت كلمة أبيها: "النورُ ليس من الزيت وحده، بل من أمل الناس ومحبّتهم." فالتفتت إلى أهل المدينة المجتمعين في الظلام وصرخت: "لا تخافوا! أشعلوا الأمل في قلوبكم، وردّدوا معي!" فأخذ الناس يتنادون بالمحبة، وتماسكت أيديهم في الظلام. وفجأةً.. توهّجت الجمرة في صدر سلمى من جديد، أقوى من أي وقتٍ مضى، لأنها اتّقدت هذه المرة من قلوب الجميع! فرفعتها إلى المصباح، فاشتعلت المنارةُ بنورٍ عظيمٍ ملأ السماء.

وما إن غمر النورُ الوزيرَ قَتام، حتى ذاب سحرُه الأسود كما يذوب الجليد تحت الشمس، وهرب مذعورًا لا يقوى على مواجهة الضوء، ولم يعُد إلى المدينة أبدًا. وحمل الناسُ سلمى على الأكتاف، وشُفي أبوها عمّ نجيب من فوره حين رأى النور يعود.

✨ وهكذا يا صغاري.. تعلّمنا من حكاية سلمى أن الظلام مهما طال، يهزمه قلبٌ شجاعٌ واحد، وأن أعظم نورٍ في الدنيا ليس نور المصابيح، بل نورُ الرحمة والحكمة والإيثار. وأن الأملَ إذا اجتمعت عليه القلوب، لا يطفئه سحرٌ ولا ظلام. فكونوا كسلمى.. أشعلوا النورَ أينما حللتم! وتوتة توتة، خلصت الحدّوتة!

Tags

إرسال تعليق

0تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Accept !) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Learn More
Accept !
To Top