
ملف الساعة الثالثة
الرصاصة المؤجلة
كان اسمي مكتوبًا فوق الرصاصة..
لكن الاسم المحفور تحت اسمي كان أشد خطرًا:
وقفت أنا وليلى وسط حطام المدينة الزجاجية، بينما كان الفجر ينسحب فوق المصنع المحترق. أمامنا قائمة بستة موتى، ومقذوف لم يُطلق، وموعد لتصفيتي عند الثالثة من صباح اليوم التالي.
أما مريم، المرأة التي ظهرت في الصورة تحمل رضيعًا حول معصمه الرقم 317، فقد كانت ابنة فؤاد النجار.
وكان الرضيع أنا.

■ سبع رصاصات لا تتشابه
لم تكن الرصاصة عادية. عند قاعدتها سبعة خدوش دقيقة، وفي منتصفها خط دائري يوحي بأنها مكونة من جزأين. حاولت ليلى فتحها فلم تتحرك.
— صُنعت يدويًا، قالت. ومن صنعها ترك توقيعه عليها.
داخل الصندوق المخملي وجدنا قصاصة تحمل عنوانًا قديمًا في حي السيدة زينب واسمًا واحدًا: منصور الصباغ.
وصلنا القاهرة قبل الظهر. كان العنوان يقود إلى ورشة ضيقة لإصلاح الساعات والأدوات الدقيقة، لا إلى محل سلاح. جلس خلف المنضدة رجل تجاوز الثمانين، يثبت عدسة فوق عينه.
وما إن رأى الصندوق حتى أغلق باب الورشة.
— ظننت أن الستة دُفنوا مع أصحابهم.
— كانت سبعًا.
— السابعة لم تكن لرجل.

وضع منصور الرصاصة تحت العدسة، ثم أدارها بأداة صغيرة.
— طلبها مني فؤاد النجار في يونيو 1967. سبع قطع متطابقة في الشكل، مختلفة من الداخل. قال إنها لمعرض علمي يشرح آثار المعادن، لكنني عرفت أنها صُنعت لتترك علامة لا تخطئها المعامل.
— لماذا يريد قاتل أن يترك علامة؟
— لأنها لم تكن للقتل وحده. كانت إيصالات. كل رصاصة تثبت أن صاحب اسم أُغلق فعلًا.
فتح درجًا وأخرج دفترًا قديمًا. بجوار الأرقام من واحد إلى سبعة، كتب حروفًا أولى. الستة الأُولى تطابقت مع رجال الصورة. أما السابعة فحملت حرف الميم.
— مريم؟
— جاءتني بنفسها ليلة التاسع من أكتوبر 1974. كانت حاملًا ومرعوبة. سرقت الرصاصة من مكتب أبيها وطلبت مني إخفاء شيء داخلها.
— ماذا أخفت؟
— لا أعرف. أقسمت ألا أفتحها. وبعد أيام قيل إن مريم ماتت، وجاء عبد الرازق وأخذ الرصاصة.
ضغط منصور فوق الخدش الثالث، ثم أدار القاعدة سبع دورات. انفصل المقذوف إلى نصفين.
كان داخله شريط ورق بالغ الصغر يحمل ثلاثة أشياء:
اسم مستعار: نادية سليم
عبارة: لم تمت الأم
رفعت رأسي.
— مريم ما زالت حية.
قال منصور:
— أو كانت حية حين أغلقت الرسالة داخل الرصاصة.
■ الطفل رقم 317
لم يكن «سرير 17» عنوانًا كافيًا، لكن خلف ورقة الرصاصة ظهر ختم باهت لمصحة ساحلية أغلقت قسم الولادة فيها سنة 1974.
ذهبنا إلى مخزن سجلات تابع للمصحة. وجدت ليلى دفتر أكتوبر بعد ساعتين من البحث. كانت صفحة اليوم الحادي عشر ممزقة، لكن ورقة كربونية تحتها حفظت أثر الكتابة.
مررنا قلمًا خفيفًا فوقها، فظهرت البيانات:
سجل ولادة — 11 أكتوبر 1974
الأم: نادية سليم — اسم مؤقت.
المولود: ذكر، بلا اسم.
العلامة: سوار رقم 317.
المستلم: عبد الرازق الهواري.

وفي ظرف ملتصق بظهر الدفتر وجدنا صورة شاب يقف بجوار مريم. تعرفت إليه من وصف الملفات، رغم أنني لم أرَ صورته من قبل.
كان يوسف السيوفي.
وعلى ظهر الصورة كتب أبي:
جلست فوق الأرض بين السجلات. كنت ابن يوسف السيوفي ومريم النجار؛ ابن رجل مات مرتين، وامرأة حاول أبوها قتلها، ورباني رجل قبل أن يكون أبي وهو يعرف أن الحقيقة قد تقتله.
— عبد الرازق لم يسرقك، قالت ليلى. لقد أنقذك.
تحت قيد الولادة ظهر تحويل لنادية سليم إلى جناح النقاهة رقم 17 في مصحة قديمة على الساحل. لم نجد ما يثبت خروجها.
■ المرأة التي ماتت باسمها
وصلنا المصحة قبل الغروب. كان نصف المبنى مهجورًا، والنصف الآخر دارًا صغيرة لرعاية المسنين. سألت عن نادية سليم، فقالت الممرضة إن امرأة بهذا الاسم تقيم في الغرفة 17 منذ سنوات طويلة، وإن رجلًا يدفع نفقاتها نقدًا كل شهر.
دخلت الغرفة وحدي.
جلست امرأة مسنة أمام النافذة، تراقب البحر. كان شعرها أبيض، ويداها نحيلتين، لكنها حين التفتت رأيت عيني فؤاد النجار دون قسوتهما.
— مريم؟
ارتعشت يدها.
— هذا الاسم مات منذ زمن.
— وأنا الاسم الذي تركتِه حيًا.
وضعت أمامها صورة الطفل والسوار. لم تسأل من أكون. رفعت يدها ولمست الأثر الصغير بجوار حاجبي، ثم بكت في صمت.

— قال عبد الرازق إنك لن تأتي إلا إذا مات الجميع.
— لماذا تركتني؟
— لم أتركك. أعطيتك للرجل الوحيد الذي رفض أن يستخدمك ورقة ضد أبي.
— هل فؤاد والدك فعلًا؟
— كان أبي قبل أن يصبح الملف أهم من ابنته.
أخبرتني أن يوسف اكتشف خيانة فؤاد قبل غرق النداء، وأن مريم سرقت نسخة من سجل الأسماء. وحين علم فؤاد بحملها من يوسف، أصدر أمرًا بإغلاق اسمها والطفل معًا.
— أين السجل الحقيقي؟
نظرت إلى الساعة فوق الحائط.
— لا يوجد سجل واحد. عبد الرازق قسمه إلى اثني عشر جزءًا، ووضع كل جزء تحت رقم في ساعة المحطة القديمة.
— محطة مصر؟
— ليست ساعة تشير إلى الثالثة، يا نجيب. الساعة الثالثة اسم الغرفة التي كانت تضبط منها كل الساعات.
وقبل أن أسألها، انطفأ نور الغرفة.
■ موعد الرصاصة
اشتغلت إضاءة الطوارئ الحمراء في الممر. دخلت ليلى مسرعة.
— سيارة سوداء توقفت أمام المصحة.
جاء صوت عصا تضرب أرضية الرواق.
ظهر فؤاد النجار عند نهايته، يحمل الملف الأسود في يد، وفي الأخرى شيئًا أخفاه ظله.
— تأخرتِ خمسًا وعشرين سنة يا مريم، قال. لكن الرصاصة لا تنسى موعدها.
وقفت أمام أمي.
— كتبت اسمي فوقها.
— لأن الابن يرث ديون أبويه.
اقتربت الساعة من الثالثة. لم أفهم كيف مرت الساعات بهذه السرعة حتى أدركت أن ساعة المصحة كانت مقدمة عمدًا. أراد أن يجعلنا نتصرف وفق موعد زائف.
رفعت ليلى إنذار الحريق. دوى الجرس، وفتحت أبواب الغرف، وامتلأ الممر بالمرضى والممرضات. تراجع فؤاد لحظة، ثم لمع وميض في نهاية الرواق.

سمعت الطلقة قبل أن أشعر بالصدمة في صدري.
سقطت إلى الخلف.
صرخت أمي، واندفعت ليلى نحوي. أما فؤاد فاختفى بين الدخان والناس قبل أن يصل إليه الحراس.
وضعت يدي فوق صدري، فلم أجد دمًا.
كانت الرصاصة قد اصطدمت بقلادة فضية دفعتها أمي داخل جيبي لحظة انطفاء النور.
انفتح غطاء القلادة من قوة الاصطدام، واستقر المقذوف داخله.

داخل القلادة كانت صورة صغيرة لمريم ويوسف، وخلفها شريط فيلم بالغ الدقة.
— هذا الجزء الأول من السجل، قالت أمي. احتفظت به حتى يأتي صاحب الظل الجديد.
— أنا لست عميلًا.
— ولا كان عبد الرازق. صاحب الظل ليس من يحمل سلاحًا، بل من يحمل الحقيقة دون أن يبيع أصحابها.
أخرجت ورقة صغيرة من بطانة القلادة. حملت رسمًا لساعة ضخمة واثني عشر رقمًا، لكن الرقم ثلاثة كان بابًا لا عقربًا.
الدخول عند 03:00 فقط
قالت مريم:
— فؤاد يعرف المكان الآن. أخذ الملف الأسود من المدينة، وفيه طريقة جمع الأجزاء الاثني عشر. إذا وصل قبلك، فلن يقتل أصحاب الأسماء فقط… سيبيع موتهم للمرة الثانية.
نظرت إلى ساعة يدي الحقيقية.
كانت الثانية وسبع عشرة دقيقة.
لم يكن أمامنا سوى ثلاث وأربعين دقيقة للوصول إلى الغرفة الثالثة.
لكن حين خرجنا من المصحة وجدنا السيارة السوداء تنتظر، وبداخلها الملف الأسود.
لم يكن فؤاد يقودها.
كان عم حسان.
أنزل زجاج النافذة وقال:
نجت أمي من الرصاصة خمسة وعشرين عامًا…
وحين أُطلقت أخيرًا، فتحت الطريق إلى الحقيقة.
عنه السرية

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك