
ملف الساعة الثالثة
ليلة سقوط المدينة الزجاجية
انقسم الزجاج تحت أقدامنا..
وللحظة قصيرة بقي نصف جسدي فوق المصنع، بينما سقط نصفه الآخر في مدينة مدفونة تحته منذ أكثر من ثلاثين عامًا.
مددت يدي إلى ليلى، لكنها انزلقت بعيدًا عني. ثم اختفى الضوء، وابتلعنا الفراغ.
لم نسقط فوق أرض صلبة. تلقفتنا شبكة صناعية مائلة، ثم حملنا حزام متحرك إلى ممرين مختلفين. حاولت الإمساك بيدها، لكن حاجزًا زجاجيًا ارتفع بيننا.
رأيتها تصرخ باسمي دون أن يصل صوتها.
ثم تحولت الجدران من الشفافية إلى السواد، واختفت.

■ الغرفة التي ترى نفسها
أفقت داخل غرفة زجاجية لا باب لها. أمامي منضدة ومقعدان، وفوق السقف كاميرا تدور كلما تحركت.
كانت الجدران تعكس صورتي من كل جانب. عشرة رجال يشبهونني جلسوا حولي، لكن واحدًا منهم فقط كان موجودًا.
أضاءت الغرفة المقابلة، فرأيت ليلى واقفة خلف الزجاج. طرقت عليه، فلم تسمعني. ثم ظهر خلفها فؤاد النجار.
كان أكبر سنًا من صورته، لكن عينيه بقيتا كما هما؛ لا تنظران إلى الإنسان، بل إلى الشيء الذي يخفيه.
دخل رجل العصا الفضية غرفتي من باب لم أره إلا حين فتح.
— أرجو أن تكون الرحلة مريحة يا عميل صفر.
— أي اسم تستخدمه اليوم؟ سالم؟ يوسف؟ أم اسم رجل لم تقتلوه بعد؟
ابتسم ووضع العصا فوق الطاولة.
— الأسماء ملابس يا نجيب. الرجل الذكي لا يُدفن في المعطف نفسه مرتين.

— من أنت؟
— في الصورة القديمة كنت كمال حمدي. وفي شهادة الوفاة صرت ضحية حادث سيارة. بعدها حملت اسم سالم سنوات، ثم تركته حين شاخ صاحبه أكثر مما ينبغي.
تذكرت الرجل الواقف في الطرف الأيسر من الصورة؛ كمال حمدي الذي مات رسميًا سنة 1968.
— إذن أنت الوجه السابع.
— أنا الوجه الذي تعلم ألا يثق في ملامحه.
أخرج فؤاد من الغرفة المقابلة ملفًا أسود، ووضعه أمام ليلى. تكلم عبر مكبر الصوت:
— لدينا أقل من ثلاث ساعات. أعطونا الفيلم المستخرج من البحر، وسأعيد إلى نجيب اسمه وملف ميلاده.
— اسمي لم تمنحني إياه أنت حتى تعيده.
— بل منحك إياه رجل سرقك من أمك.
فتح الملف، ورفع صورة امرأة تحمل طفلًا. كانت الصورة باهتة، لكن الطفل كان يرتدي حول معصمه شريطًا يحمل الرقم 317.
— عبد الرازق لم ينجب، يا نجيب. وجدك ليلة العملية، ومنحك اسمًا ليخفي دليله الأخير.
كذّبتُه، لكن قلبي لم يفعل بالسرعة نفسها.
■ المدينة التي تحفظ الوجوه
تحول أحد الجدران إلى نافذة واسعة. ظهرت تحته منشأة متعددة الطوابق: ممرات شفافة، غرف أرشيف، شاشات مراقبة، وفي الوسط بناء يشبه سفينة جافة مغروسة في قلب الأرض.

— بنيناها لحماية الدولة من الأسرار التي لا تستطيع الاعتراف بوجودها، قال فؤاد. ثم اكتشفنا أن الأسرار أربح حين تُباع ممن تُحمى منهم.
— أنت من خان العملية.
— الخيانة كلمة يستخدمها الطرف الذي خسر الصفقة. عبد الرازق أخفى القائمة، ويوسف حاول الهرب بها، وسالم أراد تسليمنا جميعًا. كل رجل خان رجلًا آخر.
— وأنت قتلتهم جميعًا.
— لا. بعضهم عاش لأن موته كان أكثر فائدة من حياته.
أشار إلى الشاشات. ظهرت وجوه الرجال السبعة، وتحت كل وجه تواريخ وأسماء متعددة. كان كمال وحده يحمل عشرات الهويات.
أما وجه أبي، فلم يحمل سوى اسم واحد:
الحالة: لم يخن اسمه
للمرة الأولى منذ بدأت الرحلة، وجدت دليلًا لا يطعن أبي.
■ خيانة ليلى
رفع فؤاد سماعة وتحدث إلى ليلى وحدها. لم أسمع كلماته، لكنني رأيت وجهها يتغير.
عرض لها شاشة صغيرة. ظهر فوقها رجل مسن موصول بأجهزة طبية داخل غرفة في المدينة.
فتحت ليلى فمها وقالت كلمة واحدة قرأتها فوق شفتيها:
— أبي.
كان والدها، مهندس اللاسلكي في السفينة النداء، حيًا.
مد فؤاد يده.
ترددت ليلى، ثم أخرجت من بطانة معطفها علبة الفيلم المصغر وسلمتها إليه.

— ليلى! لا تفعلي!
نظرت إليّ من وراء الزجاج، ثم أشاحت بوجهها.
أدخل فؤاد الفيلم في قارئ ضوئي. تحركت الأشرطة فوق الشاشة، وظهرت خريطة ثم سبعة رموز.
قال كمال:
— بقي المفتاح.
نظر إلى المفتاح رقم 317 المعلق في عنقي.
— خذوه إن استطعتم.
فتح باب غرفتي. دخل رجلان، لكن قبل أن يصلا إليّ أظلمت المنشأة كلها.
اشتغلت مصابيح الطوارئ الحمراء، وظهر فوق شاشة فؤاد سطر واحد:
سمعت صوت ليلى عبر مكبر الطوارئ:
— الفيلم الذي أعطيتك إياه نسخة الشقة 13. أبي صنعه ليرسل أمر فتح جميع الحواجز إذا دخل جهاز المدينة.
لم تكن قد خانتني.
كانت قد أعطت فؤاد المفتاح الذي يفتح سجنه كله.
■ سقوط الزجاج
تحولت الجدران المعتمة إلى شفافة دفعة واحدة. انفتحت الأبواب، وخرج رجال ونساء من غرف احتجاز ظلت مخفية سنوات. امتلأت الممرات بالفوضى.
وصلت إلى ليلى، واتجهنا نحو الغرفة التي ظهر فيها والدها. وجدناها فارغة إلا من سرير وأجهزة تعرض تسجيلًا قديمًا.
لم يكن الرجل حيًا.
استخدم فؤاد صورة مسجلة لابتزازها.
وقفت ليلى أمام السرير لحظة واحدة، ثم أغلقت الشاشة.
— سنحزن بعد أن نخرج.
اهتزت الأرض. فتح الفيلم بوابات المدينة، لكنه أطلق أيضًا نظامًا قديمًا لفصل المنشأة عن المصنع. بدأت أنابيب التبريد تنفجر، وتشقق الزجاج من الحرارة.
رأينا فؤاد يعبر الجسر المركزي، يحمل الملف الأسود والفيلم الحقيقي الذي كان قد انتزعه من العلبة قبل تشغيل النسخة.
لاحقناه حتى بناء السفينة الجافة. أغلق كمال الطريق بعصاه.
— كان يمكن أن تعيش باسمك يا نجيب.
— الاسم الذي يعيده قاتل ليس اسمًا.. بل شاهد قبر.
حاول انتزاع المفتاح، فانكسر رأس عصاه وسقط منه مفتاح صغير آخر. التقطته ليلى، وضغطت به مفتاح طوارئ قرب الجسر.
هبط حاجز بيننا وبين كمال. بقي خلف الزجاج يضربه بعصاه، بينما اتسعت الشقوق حوله.
نظر إليّ للمرة الأخيرة وقال:
— لا أحد يخرج من العميل صفر.
ثم انهار الممر واختفى وسط الغبار والزجاج.

واصل فؤاد الهرب إلى مصعد خلف بناء السفينة. قبل إغلاقه، رفع الملف الأسود نحوي.
— تريد أن تعرف أمك؟ تعال وخذ اسمها منّي.
أغلق الباب وصعد.
كان بإمكاني ملاحقته، لكن عشرات المحتجزين كانوا عالقين خلف حاجز يتشقق فوقهم. اخترت أن أفتح لهم طريق الخروج.
للمرة الأولى فهمت أبي: أحيانًا لا يكون الاختيار بين الحقيقة والكذب، بل بين مطاردة الحقيقة وإنقاذ من ستقتلهم المطاردة.
خرجنا عبر نفق خدمة إلى ساحة المصنع قبل أن ينهار سقف القاعة الرئيسية. صعد لهب أبيض، وسقطت ألواح الزجاج كالمطر.
■ ما بقي بعد السقوط
قبيل الفجر عدنا إلى الحطام. لم نجد فؤاد، ولم نجد كمال. وجدنا فقط مقبض العصا الفضية وقطعة من الملف الأسود.
تحت لوح زجاج محطّم عثرت ليلى على صندوق مخملي صغير. فتحته.
كان بداخله مقذوف نحاسي لم يُطلق، وقائمة قديمة تحمل سبعة أسماء. أمام ستة منها تاريخ وفاة، أما السطر السابع فكان خاليًا.

على غلاف الصندوق كتب أبي:
الرصاصة المؤجلة
أُعدت سبع رصاصات لسبعة رجال.
أُطلقت ست.
أما السابعة، فاحتفظ بها الخائن لمن يفتح الملف بعدنا.
قلبت القائمة. بدأ حبر خفي يظهر مع حرارة يدي، فامتلأ السطر الأخير باسمي.
وبجواره موعد لم يأتِ بعد:
الساعة الثالثة فجرًا — 21 نوفمبر 1999
قالت ليلى:
— أمامك أربع وعشرون ساعة.
لكنني لاحظت خدشًا دقيقًا فوق قاعدة المقذوف. قربته من الضوء، فظهر اسم آخر تحت اسمي.
اسم امرأة.
المرأة نفسها التي ظهرت في الصورة وهي تحمل الطفل رقم 317.
وكان الاسم:
رفعت رأسي إلى ليلى.
— فؤاد لم يكن يعرف اسم أمي فقط.
ثم نظرت إلى الرصاصة.
— كان يحتفظ برصاصة لابنته.
لم أكن ابن الخائن كما خفت…
كنت ابن المرأة التي حاول الخائن قتلها.
عنه السرية

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك