محطة بين الحيوات
الرصيف صفر
كانت الساعة ثلاثًا وأربع عشرة دقيقة فجرًا، والخط المستقيم على الشاشة لا يرتجف.
لم يكن اسمه على ملفي سوى رقم: 2231. رجل في الستين، توقف قلبه في سيارة إسعاف قبل أن تصل إلى الباب بثلاث دقائق. كنت الطبيب المناوب الوحيد في تلك الليلة، وكانت يداي قد بدأتا الانضغاط على صدره قبل أن يكتمل نقله إلى السرير.
— واحد… اثنان… ثلاثة…
عدّت الممرضة منى الجرعات بصوت جاف اعتاد على الأرقام أكثر من اعتياده على الخوف. كانت الشاشة تصدر صفيرًا واحدًا متصلًا، وكان ضوء الغرفة يرتجف كلما لامست يدي جلده البارد.
في الصدمة الثالثة، لم أسمع صوت الجهاز. سمعت بدلًا منه صفيرًا بعيدًا أشبه بنفير قطار يقترب من رصيف لا أعرفه. ثم اختفت الغرفة.
■ الرصيف الذي لا يظهر على الخريطة
لم أسقط، ولم أستيقظ. وجدت نفسي واقفًا، كما لو كنت قد وُضعت هناك بيد ما، على رصيف حجري طويل يلتف في الضباب قبل أن ينتهي إلى عتمة لا قعر لها.
ساعة نحاسية ضخمة معلّقة فوق رأسي، عقاربها متجمدة عند الثالثة وأربع عشرة دقيقة. نفس اللحظة التي توقف فيها قلب 2231.
لم تكن هناك قضبان تحت قدميّ، ولا سقف يحجب سماء لا نجوم فيها. فقط صفوف من المقاعد الخشبية، وحقائب جلدية قديمة متروكة بلا أصحاب، وصوت بخار يتنفس من مكان لا أراه.
— من هنا؟
لم يجبني أحد. مشيت بضع خطوات، فسمعت طقطقة معدنية خلفي. التفتُّ فوجدت رجلاً بزيّ قديم، قبعته تحجب نصف وجهه، يحمل فانوسًا خافتًا رغم أن الرصيف كان مضاء بما يكفي دونه.
— متأخر أربع دقائق عن موعدك، قال بصوت لا يشبه صوت حيّ ولا ميت. لكنه فارق مقبول.
— موعدي؟ أنا طبيب، كنت أحاول إنقاذ مريض…
— 2231 واقف خلفك منذ دقيقتين. يمكنك أن تلتفت إن أردت، لكنه لن يتعرف عليك الآن.
التفتُّ فعلًا. رأيت الرجل العجوز نفسه الذي كانت يداي فوق صدره قبل لحظات، واقفًا بلا ملابس المستشفى، ينظر إلى الساعة المتجمدة بابتسامة هادئة لا تشبه رجلاً يحتضر.
■ قوانين لا تُكتب في كتاب
— أين نحن؟
— في المكان الذي لا اسم له في لغتكم، قال الرجل ذو الفانوس. تسمّونه أحيانًا "قبل البعث"، وأحيانًا "بعد الفوات". نحن نسمّيه ببساطة: المحطة.
— ولماذا أنا هنا؟ أنا لم أمت.
— لم أقل إنك ميت. قلت إنك متأخر عن موعدك.
أشار بفانونه إلى الرصيف الممتد خلفه، حيث بدأت أشكال أخرى تتضح من الضباب: رجل بملابس عمل يحمل حقيبة، امرأة تحتضن طفلًا نائمًا، شاب يبدو حائرًا تمامًا كحالي.
— كل من يقف على هذا الرصيف وصل إلى اللحظة التي يتوقف فيها قلبه عن القرار: يكمل، أم يعود. هنا يُمنح كل راكب حقّ النظر إلى الرصيف المقابل، قبل أن يختار أي قطار يركب.
سألته عن اسمه، فابتسم ابتسامة لم تصل إلى عينيه.
— ليس لي اسم يخصّني. أنا كمساري هذا الرصيف منذ أن تذكّرت آخر مرة كنت فيها حيًا. وأنت يا دكتور، لديك مشكلة أكبر من موعدك.
— وما هي؟
— أنت لست راكبًا على هذا القطار الليلة.
■ اللوحة التي تحمل الأسماء
قادني الكمساري إلى عمق الرصيف، حيث وقفت لوحة مواعيد خشبية ضخمة، حروفها المعدنية تتقلب بصوت طقطقة بطيئة، كأنها تكتب قدرًا لم يحدث بعد.
توقفت الحروف فجأة أمامي، ثم أعادت ترتيب نفسها لتكوّن اسمي بالكامل. لم يكن هناك خطأ ممكن: "كريم وليد — طبيب مناوب".
— هذا اسمي. إذن أنا راكب فعلًا.
— اقرأ الخانة المجاورة.
نظرت. لم تكن هناك "وجهة" مكتوبة أمام اسمي كما هي الحال في كل الأسماء الأخرى على اللوحة. كان مكتوبًا بدلًا منها كلمة واحدة لم أفهمها حينها:
الخانة المقابلة لاسمك: "حارس — بلا موعد عودة محدد"
— ماذا يعني هذا؟
لم يجب الكمساري مباشرة. وقف صامتًا للحظة طويلة، ثم خفض فانوسه حتى كاد يلامس الأرض.
— يعني أن أحدًا ما، في مكان لا أصل إليه، قرر أن يستبدلني بك الليلة. ويعني أيضًا أنك الآن مسؤول عن كل من سيقف على هذا الرصيف بعدك، سواء أردت أم لا.
ارتفع صفير بعيد، أقرب هذه المرة. التفتُّ فرأيت قطارًا يخرج من الضباب دون أن يلمس القضبان، نوافذه مضاءة بضوء كهرماني خافت، وفي كل نافذة وجه لا يشبه الآخر.
— هذا قطار 2231. سيصعد خلال دقيقة، وسيختار إما أن يُكمل، أو يعود إلى جسده قبل أن تنفد فرصتك في إنعاشه. أنت من سيقرر أيّ الرصيفين يُفتح له الباب.
— أنا؟ لا أعرف حتى كيف وصلت إلى هنا!
— ولا أنا عرفت، في ليلتي الأولى. لكن الساعة لن تنتظر فهمك.
نظرت إلى الساعة المتجمدة فوقنا. تحركت عقربها للمرة الأولى منذ وصولي، ببطء شديد، نحو الدقيقة الخامسة عشرة.
■ الباب الذي اخترته
اقترب 2231 مني، ولأول مرة بدا أنه يراني فعلًا.
— أنت الطبيب الذي كان يداه فوق صدري.
— نعم.
— هل ما زلتَ تحاول؟
لم أجب فورًا. فكّرت في الغرفة التي تركتها، في منى تعدّ الجرعة الرابعة، في الشاشة التي ربما ما زالت تُصدر خطًا مستقيمًا بينما أقف أنا هنا عاجزًا عن تحريك يد واحدة.
— نعم. ما زلت أحاول.
ابتسم 2231 بهدوء غريب، كمن استعاد شيئًا ظنّ أنه فقده.
— إذن أنا أختار الباب نفسه الذي تؤمن به.
صعد إلى عربة القطار دون أن يلتفت. أُغلق الباب خلفه بصوت معدني ثقيل، وبدأ القطار ينزلق بعيدًا في الضباب حتى اختفى، تاركًا خلفه رصيفًا صامتًا وساعة توقفت عقاربها من جديد عند الثالثة وخمس عشرة دقيقة.
التفتّ إلى الكمساري، لأسأله إن كان هذا يعني أن 2231 سيعيش أم سيرحل، لكنني وجدت الرصيف فارغًا تمامًا. لا فانوس، ولا قبعة، ولا حتى أثر خطوات على الحجر المبلل.
وفي مكانه، على اللوحة الخشبية، كانت الحروف المعدنية تتقلّب من جديد، تكتب اسمًا جديدًا في خانة "الحارس القادم".
كان الاسم هو اسمي.
استيقظت على صوت منى تصرخ: "نبض! عاد النبض!"
لكنني ما زلت أسمع صفير القطار في أذني، وأعرف أنني لم أغادر الرصيف فعلًا.
غير مكتملة

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك