محطة بين الحيوات — الحلقة الثانية: راكبة بلا تذكرة

0
سجلّ ميتافيزيقي متخيّل • شهادات من بين النبضتين
الحارس الذي لم يوقّع بعد على عقد الرصيف

محطة بين الحيوات

الحلقة الثانية

راكبة بلا تذكرة

النبضة الثانية: 2/∞ تقاطع كوبري الجامعة — القاهرة 04:02 فجرًا

لم أخبر أحدًا بما رأيته على الرصيف. لكن يدي ظلت ترتجف حتى بعد أن عاد نبض 2231 مستقرًا على الشاشة.

مرّ أسبوع. نمت فيه قليلًا، وتجنبت النظر إلى أي ساعة متوقفة في المستشفى. ظننت أن ما حدث كان نوبة إرهاق لا أكثر، إلى أن جاء نداء الطوارئ في الرابعة إلا دقيقتين فجرًا: حادث على كوبري الجامعة، سيدة بلا هوية، بلا نبض واضح، ولا أحد يعرف من أين أتت السيارة التي صدمتها.

الصورة 1 — لحظة وصول سيارة الإسعاف إلى الطوارئ في الرابعة إلا دقيقتين فجرًا.
الصورة 1 — لحظة وصول سيارة الإسعاف إلى الطوارئ في الرابعة إلا دقيقتين فجرًا.

لم يكن في جيبها شيء: لا هوية، لا هاتف، لا حتى خيط من قماش يدل على أنها خرجت من بيت أو انتظرت أحدًا. فقط وجه هادئ جدًا لامرأة في الثلاثين، كأنها نائمة لا مصدومة.

— ضغطها ينهار، يا دكتور كريم! صرخت منى.

وضعت يدي على صدرها لأبدأ الانضغاط، وفي اللحظة نفسها، سمعت صفير القطار البعيد يعود.

توقف نبض المجهولة 03:58:21 الصدمة الأولى خلال 40 ثانية

■ الممر الذي لم يكن هناك في المرة الأولى

لم أصل إلى الرصيف هذه المرة. وجدت نفسي في ممر ضيق تحت الأرض، رائحته رائحة ورق قديم ممزوج بالشمع المحترق. رفوف بلا نهاية، محمّلة بسجلات جلدية متآكلة الحواف، تمتد في العتمة حتى تلتقي بقوس حجري بعيد تتوسطه ساعة واحدة.

الصورة 2 — أرشيف المحطة الذي لم أدخله من قبل: رفوف لا تنتهي من سجلات الركاب.
الصورة 2 — أرشيف المحطة الذي لم أدخله من قبل: رفوف لا تنتهي من سجلات الركاب.

— هل هذا أيضًا جزء من الرصيف؟

لم يكن الكمساري هناك. بدلًا منه، خرج من بين الرفوف رجل نحيل يرتدي نظارة صغيرة، يحمل قلمًا من ريشة تكتب وحدها فوق دفتر معلّق في الهواء أمامه.

— أنا أمين السجل. والكمساري لم يعد موجودًا، كما تعلم. أنت الآن من يستدعيني كلما فتحت بابًا جديدًا.

— أين المرأة التي كنت أحاول إنعاشها؟

— هذه بالضبط مشكلتنا الليلة.


■ اسم لا تحمله أي صفحة

قادني أمين السجل إلى طاولة حجرية في وسط الممر، حيث وقفت المرأة ذاتها، بلا خدوش ولا دماء، تنظر إلى يديها كأنها تراهما لأول مرة.

الصورة 3 — الراكبة المجهولة على رصيف الأرشيف، بلا حقيبة وبلا تذكرة، تنتظر دون أن تعرف ماذا تنتظر.
الصورة 3 — الراكبة المجهولة على رصيف الأرشيف، بلا حقيبة وبلا تذكرة، تنتظر دون أن تعرف ماذا تنتظر.

— هل تتذكرين اسمك؟

لا. لكنني أعرف وجهك.

لم أعرها انتباهًا كافيًا، لأن أمين السجل كان يقلّب الدفاتر بسرعة محمومة، يبحث عن صفحة لا يجدها.

— لا تذكرة، لا اسم، لا توقيت وفاة محدد مسبقًا. هذه الراكبة غير موجودة في حسابنا من الأساس.

— يعني ماذا؟ أنها لن تموت؟

— يعني أن أحدًا أدخلها إلى هنا من باب لم نفتحه نحن. وهذا، يا دكتور، لم يحدث منذ زمن طويل جدًا.

«كل راكب يصل إلى هذا المكان ومعه تذكرة كُتبت قبل ميلاده بلحظة واحدة. من يصل بلا تذكرة، لم يأتِ ليعبر؛ بل تسلّل.»

اقتربت المرأة مني أكثر، وبدا عليها قلق خفيف لأول مرة.

— أنت الحارس الجديد، أليس كذلك؟ الكمساري القديم قال لي قبل أن يختفي: "اسأليه عن الصفحة المحروقة."

— متى رأيتِ الكمساري القديم؟

أظن... منذ عام. أو ربما أمس. لا أفرّق هنا بين الاثنين.

■ الصفحة المحروقة

طلبت من أمين السجل أن يبحث عن أي ذكر سابق لها، مهما كان قديمًا. تردد طويلًا قبل أن يسحب دفترًا من أعلى رف، غلافه أسود محروق الأطراف.

الصورة 4 — الصفحة التي عثرنا عليها أخيرًا: سطر محروق الحواف، واسم غير مكتمل.
الصورة 4 — الصفحة التي عثرنا عليها أخيرًا: سطر محروق الحواف، واسم غير مكتمل.

فتحه على صفحة واحدة، منتصفها محروق بدقة كأن أحدًا أراد إخفاء سطر واحد فقط لا غير. استطعت قراءة ما تبقى:

السطر الوحيد الباقي من الصفحة المحروقة الراكبة: عبرت هذا الرصيف من قبل — التاريخ: قبل عام واحد بالضبط، من هذه الليلة
سبب العودة: لم يُكتب. الحارس السابق هو من محا السبب.

— هذا مستحيل. لا أحد يعبر هذا الرصيف مرتين.

— بالضبط. ولهذا اختفى من سبقك. كان يعرف أنها عادت، وأخفى الدليل بدل أن يبلغ عنها.

نظرت إليها. كانت تحدّق في الصفحة المحروقة بذهول لا يقل عن ذهولي.

— إذا كنتِ عبرتِ من قبل، فلماذا عدتِ؟ ومن أعادكِ؟

لا أعرف. لكنني أعرف أنني لم أكن أريد العودة وحدي.

دقّت الساعة المعلقة فوق القوس الحجري مرة واحدة، صوتها أعمق من أي دقة سمعتها على الرصيف من قبل. التفت أمين السجل نحوها بفزع واضح لأول مرة منذ أن قابلته.

— هذا نداء الحساب. إذا وصل إلى هنا قبل أن تقرر مصيرها، سيُطبَّق عليها قانون "المحو": تُلغى من الوجود في الرصيفين معًا، هنا وهناك.

— هناك؟ تقصد... جسدها في غرفة الطوارئ؟

— بالضبط. الجسد الذي ما زلتَ تحاول إنعاشه الآن، بينما نقف نحن هنا نتحدث.

الوقت المتبقي قبل نداء المحو الكامل 00:37 قرار الحارس وحده هو ما يوقف الحساب

■ قرار لا يشبه أي قرار طبي

لم يكن أمامي وقت لأفهم كل القوانين. كان أمامي فقط خياران يرددهما أمين السجل بصوت يتسارع مع اقتراب الدقة الثانية:

— إما أن توقّع على صفحة جديدة باسمها، فتصبح راكبة رسمية من الآن، ويُعاد حسابها من الصفر دون أن يعرف أحد أنها عبرت من قبل. أو تتركها لنداء المحو، فتُمحى هي، ويُمحى معها كل أثر لهذا الخلل، وتهدأ المحطة.

— وإذا وقّعت لها، ماذا يحدث لي؟

— يصبح اسمك مرتبطًا بسطرها إلى الأبد. أي سؤال يُطرح عنها، سيُطرح عنك أولًا.

نظرت إليها. كانت واقفة بلا خوف ظاهر، تنتظر قراري كما لو أنها اعتادت أن يقرر الآخرون مصيرها دائمًا.

— لماذا لا تطلبين أنتِ ألا أوقّع؟ قد يكون المحو أرحم من العيش بلا اسم.

لأنني تذكرت للتو شيئًا واحدًا فقط من المرة الأولى: وجهك، وأنت تحاول أن تمسك يدي بينما أفلت.

تجمدت في مكاني. لم أكن قد التقيت بهذه المرأة في حياتي، لا في المستشفى ولا خارجه، فكيف تتذكر وجهي من "مرة أولى" لم أحضرها؟

أخذت القلم ذا الريشة من يد أمين السجل، ووقّعت على الصفحة الفارغة المجاورة للسطر المحروق، قبل أن تدق الساعة دقتها الثانية.

نهاية الإفادة الثانية

استيقظت على صوت جهاز المراقبة يستقر، ومنى تهمس: "نبضها عاد يا دكتور… كأنها لم تمت أصلًا."
فتحت المجهولة عينيها ببطء، نظرت إليّ مباشرة، ونطقت اسمي الكامل قبل أن أقوله لها.

شهادة
غير مكتملة

يتبع في الحلقة الثالثة

من يعرف اسمي قبل أن أنطقه

محطة بين الحيوات • قصة خيالية ميتافيزيقية بصياغة سينمائية
Tags

إرسال تعليق

0تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Accept !) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Learn More
Accept !
To Top