محطة بين الحيوات — الحلقة العاشرة والأخيرة: حارس المحطة

0
سجلّ ميتافيزيقي متخيّل • شهادات من بين النبضتين
سبع ليالٍ انتهت. وقرار واحد سيُكتب الآن

محطة بين الحيوات

الحلقة العاشرة والأخيرة

حارس المحطة

النبضة الأخيرة: 10/10 الرصيف صفر — حيث بدأ كل شيء منتصف الليل، اللحظة التي لا رجعة فيها

لم نسقط على رصيف، بل وقفنا عليه، الثلاثة معًا، كأننا كنا نقف هناك طوال العمر. القطار القديم يصدر بخارًا هادئًا خلفنا، والجابي ينتظر في وسط الضوء، كعادته، صبورًا كالزمن نفسه.

■ قرار نور

— المهلة انتهت أيها الحارس. ثلاث نساء وقفن على هذا الرصيف قبل الليلة: جدتك، حفيدتها نور، وأنت بينهما لا تدري أي الاتجاهين ستختار. تكلّم أحدكم الآن.

تقدمت نور خطوة، ويدها لا ترتجف للمرة الأولى منذ أن عرفتها.

— أنا قررت، وأنا واعية تمامًا، من غير خوف ومن غير ذنب. أنا موافقة أرجع لهذا الرصيف للأبد، عشان أقفل حلقة التكرار اللي بتطاردني من زمن ما أعرفه. مش عشان حد يطلب مني، وإنما عشان أنا تعبت من إني أرجع كل مرة من غير ما أختار مصيري بنفسي.

الصورة 1 — نور تقف بثبات على الرصيف، نظرتها هادئة وواثقة وهي تعلن قرارها بإرادتها الكاملة.
الصورة 1 — نور تقف بثبات على الرصيف، نظرتها هادئة وواثقة وهي تعلن قرارها بإرادتها الكاملة.

— لأ يا نور. مش هسيبك.

— القرار مش ليك يا كريم. إنت قلتها بنفسك: البديل لازم يختار بإرادته. أنا بختار.

«القرار حرّ فعلًا، أيها الحارس. السجل يقبله هذه المرة، لخلوّه أخيرًا من الخوف. لكن الحساب لا يُغلق إلا بتوقيع واحد، ومن يوقّع أولًا هو من يحدد مصير الليلة.»

■ القلم الذي اخترته أنا

نظرت إلى أمي، التي لم تنبس بكلمة منذ وصولنا، ثم إلى نور، ثم إلى الضباب الذي كان يحمل، في مكان ما بعيد، ظل أبي ينتظر هو الآخر نهاية لم يجرؤ على كتابتها بنفسه.

— إذن خليني أنا اللي أوقّع الأول.

— كريم، متعملش زي أبوك!

— أنا مش هاهرب يا أمي، ومش هسيب حد يدفع التمن مكاني. أنا هقبل اللي رفضه هو: الحراسة الدائمة. مش عقاب، ولا هروب. اختيار، بكامل وعيي، عشان محدش من اللي بحبهم يدفع التمن ده تاني.

تقدمت نحو المنضدة النحاسية التي ظهرت من العدم، والسجل مفتوح على صفحة اسمي، والسطر الفارغ تحته لا يزال ينتظر.

الصورة 2 — يد كريم تكتب بقلم ذهبي متوهج في السجل الضخم، حبر دافئ يضيء الصفحة بينما يوقّع على قراره.
الصورة 2 — يد كريم تكتب بقلم ذهبي متوهج في السجل الضخم، حبر دافئ يضيء الصفحة بينما يوقّع على قراره.

لم أكتب اسم نور. لم أكتب اسم أمي. كتبت، بخط يدي أنا، تحت اسمي: "الحارس الدائم، بكامل إرادته، إلى أن تنتهي سلالته من الوجود."

ما حدث في اللحظة التي جفّ فيها الحبر السجل أغلق حساب كريم وحساب والده في آنٍ واحد، لأن الدَّين كان واحدًا موروثًا، لا دَينين منفصلين.
ولأول مرة منذ ثلاثين عامًا، سُمح لظل وليد أن يتلاشى، لا إلى عدم، بل إلى سلام حقيقي.

■ وداع لا يشبه الموت

ظهر أبي للمرة الأخيرة، لكنه هذه المرة لم يكن شفافًا خائفًا، بل هادئًا، كأن وزنًا ثقيلًا أُنزل عن كتفيه بعد عقود من حمله وحده.

— شكرًا إنك ما كررتش غلطتي. وشكرًا إنك ما خليتهاش هي اللي تدفع التمن.

— هشوفك تاني يا بابا؟

— مش بنفس الشكل. بس كل مرة هتفتكرني، هتحس إني قريب. وده أحسن بكتير من ثلاثين سنة واقف ورا باب مقفول.

الصورة 3 — ظل والد كريم يتلاشى بسلام إلى ضوء ذهبي دافئ على الرصيف، في لحظة وداع أخيرة هادئة.
الصورة 3 — ظل والد كريم يتلاشى بسلام إلى ضوء ذهبي دافئ على الرصيف، في لحظة وداع أخيرة هادئة.

تلاشى أبي ببطء شديد، ضوءًا لا عتمة، بينما احتضنته أمي بعينين مغمضتين، تودّع للمرة الأولى بسلام من لم تودّعه قط.

حساب كريم مُغلق إلى الأبد لا ليالٍ، لا عدّ تنازلي، لا مهلة أخرى تُمنح

— من الآن، أنت حارس هذه المحطة، أيها الدكتور كريم وليد. ستعيش حياتك كاملة بين الناس، تحب، وتشيخ، وتنجب ربما. لكنك لن تغادر هذا الرصيف تمامًا أبدًا. ستظل، مثل كثيرين قبلك ممن لم يعرفوا اسمهم الحقيقي، توجّه من يحتاج طريقًا، من غير خوف يدفعهم هذه المرة.

— يبقى زي الممرضة أم كلثوم بالظبط.

— بالضبط. هي كانت تحمل اللقب من غير أن تعرفه. أنت الآن تحمله وأنت عارف تمامًا ماذا يعني، وهذا أثقل، لكنه أصدق.

أمسكت يد نور، ونظرنا معًا نحو الضباب الذي بدأ ينحسر، كاشفًا عن أول خيط ضوء حقيقي رأيته على هذا الرصيف منذ أول ليلة وطأته فيها قدماي.

نهاية الشهادة الأخيرة

لم يُكتب اسم بريء على ذلك السجل الليلة.
وُلد بدلًا من ذلك حارس يعرف الآن أن أثقل الأثمان هو أخفّها حين يُدفع بقلب مفتوح لا بقلب خائف.

شهادة
مكتملة أخيرًا

محطة بين الحيوات

تمّت القصة

محطة بين الحيوات • قصة خيالية ميتافيزيقية بصياغة سينمائية • شكرًا لمتابعتكم النبضات العشر كاملة
Tags

إرسال تعليق

0تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Accept !) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Learn More
Accept !
To Top