محطة بين الحيوات
حارس المحطة
لم نسقط على رصيف، بل وقفنا عليه، الثلاثة معًا، كأننا كنا نقف هناك طوال العمر. القطار القديم يصدر بخارًا هادئًا خلفنا، والجابي ينتظر في وسط الضوء، كعادته، صبورًا كالزمن نفسه.
■ قرار نور
— المهلة انتهت أيها الحارس. ثلاث نساء وقفن على هذا الرصيف قبل الليلة: جدتك، حفيدتها نور، وأنت بينهما لا تدري أي الاتجاهين ستختار. تكلّم أحدكم الآن.
تقدمت نور خطوة، ويدها لا ترتجف للمرة الأولى منذ أن عرفتها.
— أنا قررت، وأنا واعية تمامًا، من غير خوف ومن غير ذنب. أنا موافقة أرجع لهذا الرصيف للأبد، عشان أقفل حلقة التكرار اللي بتطاردني من زمن ما أعرفه. مش عشان حد يطلب مني، وإنما عشان أنا تعبت من إني أرجع كل مرة من غير ما أختار مصيري بنفسي.
— لأ يا نور. مش هسيبك.
— القرار مش ليك يا كريم. إنت قلتها بنفسك: البديل لازم يختار بإرادته. أنا بختار.
■ القلم الذي اخترته أنا
نظرت إلى أمي، التي لم تنبس بكلمة منذ وصولنا، ثم إلى نور، ثم إلى الضباب الذي كان يحمل، في مكان ما بعيد، ظل أبي ينتظر هو الآخر نهاية لم يجرؤ على كتابتها بنفسه.
— إذن خليني أنا اللي أوقّع الأول.
— كريم، متعملش زي أبوك!
— أنا مش هاهرب يا أمي، ومش هسيب حد يدفع التمن مكاني. أنا هقبل اللي رفضه هو: الحراسة الدائمة. مش عقاب، ولا هروب. اختيار، بكامل وعيي، عشان محدش من اللي بحبهم يدفع التمن ده تاني.
تقدمت نحو المنضدة النحاسية التي ظهرت من العدم، والسجل مفتوح على صفحة اسمي، والسطر الفارغ تحته لا يزال ينتظر.
لم أكتب اسم نور. لم أكتب اسم أمي. كتبت، بخط يدي أنا، تحت اسمي: "الحارس الدائم، بكامل إرادته، إلى أن تنتهي سلالته من الوجود."
ولأول مرة منذ ثلاثين عامًا، سُمح لظل وليد أن يتلاشى، لا إلى عدم، بل إلى سلام حقيقي.
■ وداع لا يشبه الموت
ظهر أبي للمرة الأخيرة، لكنه هذه المرة لم يكن شفافًا خائفًا، بل هادئًا، كأن وزنًا ثقيلًا أُنزل عن كتفيه بعد عقود من حمله وحده.
— شكرًا إنك ما كررتش غلطتي. وشكرًا إنك ما خليتهاش هي اللي تدفع التمن.
— هشوفك تاني يا بابا؟
— مش بنفس الشكل. بس كل مرة هتفتكرني، هتحس إني قريب. وده أحسن بكتير من ثلاثين سنة واقف ورا باب مقفول.
تلاشى أبي ببطء شديد، ضوءًا لا عتمة، بينما احتضنته أمي بعينين مغمضتين، تودّع للمرة الأولى بسلام من لم تودّعه قط.
— من الآن، أنت حارس هذه المحطة، أيها الدكتور كريم وليد. ستعيش حياتك كاملة بين الناس، تحب، وتشيخ، وتنجب ربما. لكنك لن تغادر هذا الرصيف تمامًا أبدًا. ستظل، مثل كثيرين قبلك ممن لم يعرفوا اسمهم الحقيقي، توجّه من يحتاج طريقًا، من غير خوف يدفعهم هذه المرة.
— يبقى زي الممرضة أم كلثوم بالظبط.
— بالضبط. هي كانت تحمل اللقب من غير أن تعرفه. أنت الآن تحمله وأنت عارف تمامًا ماذا يعني، وهذا أثقل، لكنه أصدق.
أمسكت يد نور، ونظرنا معًا نحو الضباب الذي بدأ ينحسر، كاشفًا عن أول خيط ضوء حقيقي رأيته على هذا الرصيف منذ أول ليلة وطأته فيها قدماي.
لم يُكتب اسم بريء على ذلك السجل الليلة.
وُلد بدلًا من ذلك حارس يعرف الآن أن أثقل الأثمان هو أخفّها حين يُدفع بقلب مفتوح لا بقلب خائف.
مكتملة أخيرًا

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك