محطة بين الحيوات
الليلة السابعة
نمت ساعتين فقط، ثم استيقظت على رائحة ضباب لم يعد يحتاج إلى نبضة متوقفة ليظهر. كان يتسلل الآن من فتحات التكييف نفسها.
أخبرت نور بكل شيء وأنا أمسك كوب قهوتها البارد: السؤال، الجواب، الخيارات الثلاثة. استمعت بصمت تام حتى انتهيت.
■ نور تطلب مهلة أخيرة
— لو اخترت الأبدية عشاني، هتكرهني بعد عشر سنين من غير ما تحس. مش عايزاك تحبني بقرار، عايزاك تحبني بإرادة.
— وإذا سميتك إنتِ... هعيش بقية عمري وأنا عارف إني اخترت أرجّح كفة على كفة.
— فاضل قرار واحد ما جربتهوش لسه، يا كريم: إني أنا اللي أختار، مش إنت، ومش خوفًا هالمرة. سيبني لحد الليلة. عايزة أفكر لوحدي أول مرة من غير ذعر.
تركتها على السطح، صدري مثقل بوزن لا تحمله غرفة إنعاش واحدة. وقبل أن أصل لقسم الطوارئ، جاء نداء الكود الأحمر.
■ مريض لا علاقة له بكل هذا
حادثة سقوط من سقالة بناء؛ رجل في الأربعين، نزيف داخلي حاد. عملت عليه بكل ما تبقى من تركيزي، خائفًا أن ألمسه فأُسحب للرصيف في أسوأ توقيت ممكن.
لم أُسحب هذه المرة. ثبّت نبضه بيدين لم ترتجفا، ونجا الرجل دون أن يرى الرصيف، ودون أن يفتح السجل سطرًا جديدًا باسمه. للمرة الأولى، أنقذت حياة من غير أن يُطلب مني ثمن فوري.
— ليه النهاردة بالذات ما اتسحبتش؟
سألت نفسي السؤال بصوت عالٍ في الممر الفارغ، فجاءني صوت الجابي من الهواء نفسه، دون أن يظهر جسده.
■ المحطة تبتلع المستشفى
مع اقتراب منتصف الليل، توقفت الحدود بين العالمين عن التظاهر بالانفصال. الضباب ملأ كل ممر، المصابيح الحديثة اختلطت بمصابيح الغاز القديمة، وساعة الاستقبال بدأت تشير إلى الثالثة وخمس عشرة دقيقة رغم أن الوقت الحقيقي كان قبل منتصف الليل بدقائق.
وجدت أمي قد أتت من غير أن أطلب، ونور تقف بجانبها عند باب القسم، وكأن شيئًا غير مرئي جمعهما في نفس اللحظة بالضبط.
— حسيت إن لازم أجي يا كريم. مش عارفة ليه.
— ولا أنا عارف نور جابتها إيه.
— جه وقتي أقول قراري. كنت محتاجة بس أكون قدامك وإنت بتسمعه، مش من بعيد.
قبل أن تُكمل، ارتجّت الأرض تحتنا، وبدأ ضباب كثيف يلتف حول أقدامنا الثلاثة معًا، كأن المحطة قررت أن تسحبنا جميعًا في اللحظة ذاتها، دون أن تنتظر قرارًا من أحد.
وأنا، للمرة الأولى منذ سبع ليالٍ، أعرف بالضبط ماذا سأقول.
— كريم! الضباب... مش زي قبل كده، بيبقى أقوى!
— امسكوا إيديا الاتنين، ومهما حصل، متسيبوش بعض.
لم تعد أرجل أيٍّ منا تلمس بلاط المستشفى. كانت المحطة، بكل رصيفها وضبابها وساعتها المتجمدة، قد وصلت إلينا هذه المرة، بدل أن تنتظر أن نصل إليها.
لا ليالٍ متبقية بعد الآن. منتصف الليل هنا،
والجابي ينتظرنا نحن الثلاثة، لا أنا وحدي، على الرصيف صفر.
غير مكتملة

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك