محطة بين الحيوات
الاسم الناقص
بمجرد أن عاد قلب أم كلثوم للنبض، تركتها لزميلتي وجريت إلى غرفة 214. كانت فارغة، والسرير لا يزال دافئًا.
سألت الممرضة المناوبة، فقالت إن نور نزعت القسطرة بيدها، وقالت إنها "محتاجة هواء"، قبل أن تختفي في الممر المؤدي إلى السلم الخلفي. كل خلية في جسدي عرفت أين تذهب، قبل أن يخبرني عقلي.
— لو كلامك صح يا جابي، ولو الاسم اللي بيتكتب في السجل هو اسمها... يبقى هي مش رايحة تستنى القرار يتاخد، هي رايحة تاخده بنفسها دلوقتي.
صعدت السلالم أربعًا أربعًا حتى وصلت إلى الباب الحديدي لسطح المستشفى، ودفعته بكل ما تبقى من أنفاسي.
■ حافة لا يراها إلا من يبحث عنها
وجدتها على الحافة، لا تنظر للأسفل، بل إلى نقطة في الضباب لا يراها أحد غيرها، كأنها تكلّم رصيفًا لا وجود له هنا.
— نور! ابعدي عن الحافة دي دلوقتي!
— متقلقش. أنا مش جاية أقفز. أنا جاية أوقّع.
— توقّعي على إيه؟! السجل مش بيتوقّع عليه من فوق سطح!
— الممرضة قالتلك: البديل لازم يختار بإرادته. طيب أنا هنا، بإرادتي، بكامل وعيي، بختار إني أرجع أنا للرصيف للأبد، وأقفل الملف ده بنفسي، عشان محدش غيري يدفع تمن روح مش حتى هي ملكي من الأساس.
اقتربت ببطء شديد، كأنني أمسك بخيط قد ينقطع من صوت نَفَسي وحده.
— نور، إنتِ مش روح بتتكرر وخلاص. إنتِ نور اللي بتشرب شايها بالنعناع كل صبح وبتتريق على خطي في كتابة الروشتة. مش هسيبك توقعي على حاجة من غير ما تاخدي وقتك.
— ما بقاش عندي وقت يا كريم. كل يوم بفتكر حاجة جديدة من حياة مش حياتي، وكل ذكرى بتاخد مني حتة من اللي أنا فاكراها نفسي. لو ما وقعتش دلوقتي وأنا لسه فاكرة اسمي، ممكن أنسى ليه أنا أصلًا بحاول أنقذك.
مددت يدي ببطء، وقبل أن تكمل جملتها، فقدت توازنها فجأة، لا نحو الهاوية، بل نحو الخلف، جسدها ينهار كمن يُسحب تيار كهربائي من تحته. أمسكتها قبل أن ترتطم بالأرض، ونبضها يتلاشى بين أصابعي.
■ إنعاش على حافة لا تحتمل الخطأ
بدأت الضغط على صدرها فوق بلاط السطح البارد، أصرخ في جهاز اللاسلكي أطلب فريقًا، بينما جزء مني يعرف أنها ربما الآن على الرصيف، واقفة أمام قلم السجل، تحاول أن تكتب اسمها بيد لم تعد تملكها بالكامل.
وصل الفريق، نقلوها إلى الإنعاش، وعاد قلبها بعد دقيقتين شعرت أنهما عمر كامل. جلست بجانب سريرها حتى فتحت عينيها قرب الفجر.
— وقّعت؟
— السجل رفض الحبر يا نور. القلم ما كتبش حرف واحد باسمك.
— ليه؟ أنا كنت قررت بإرادتي!
— مش كل قرار نابع من الخوف بيبقى قرار حر يا نور. إنتِ كنتِ بتهربي من فكرة إنك عبء عليّ، مش بتختاري الرحيل عن قناعة. والسجل، على ما يبدو، بيفرّق بين الاتنين.
أغمضت عينيها، دموع صامتة تنزل على الوسادة، دون أن تجيب.
■ الحرف الذي يتنازعه قلمان
غفوت دقائق على الكرسي بجانبها، فرأيت السجل مرة أخرى، لكن هذه المرة من قريب جدًا، كأن عيني تحوّلتا إلى عدسة فوق الصفحة ذاتها.
الحرف الناقص لم يكن يُكتب بيد واحدة، بل بخطين متداخلين يتصارعان فوق نفس المساحة: خط يحاول أن يرسم ما يشبه بداية اسم "نور"، وخط آخر أعمق، أقدم، يحاول أن يمحوه ويكتب فوقه شيئًا مختلفًا تمامًا.
— السجل لا يكتب اسمًا واحدًا بل يسجّل أقوى رغبة حقيقية في قلب من يملك القرار. ورغبتك أنت، أيها الحارس، لا تزال أقوى من رغبتها.
— يعني الاسم ممكن يبقى حد تاني تمامًا، مش نور؟
— الاسم الأقرب إلى قلب الحارس لا يعني دائمًا من يحبه أكثر. أحيانًا يعني من يخشى عليه أكثر. فكّر جيدًا فيمن قد يكون هذا، قبل أن يكتمل الحرف من تلقاء نفسه في الليلة السابعة.
و"من أخشى عليه أكثر" قد لا تكون نور على الإطلاق.
استيقظت فجأة على صوت هاتفي يرن. كانت أمي، تتصل في هذا الوقت غير المعتاد من الفجر، صوتها مرتجف وهي تقول جملة واحدة لم أفهم معناها الحقيقي إلا بعد أن أغلقت الخط.
— كريم، أنا حاسة إن حد بيراقبني من ساعة ما قفلت التليفون معاك إمبارح. تعالى بسرعة.
ثلاث ليالٍ متبقية. ونور ليست الاسم الوحيد القريب من قلبي،
وربما كان الخط الثاني فوق تلك الصفحة يرسم اسم أمي منذ البداية.
غير مكتملة

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك