محطة بين الحيوات
نبضة القرار
وصلت بيت أمي قبل أن ينهي قلبي نبضته العشرين منذ المكالمة. الباب كان مفتوحًا قليلًا، والمصباح في الصالة يرتجف كأن شيئًا يسحب الكهرباء منه بالتناوب.
وجدتها واقفة في منتصف الصالة، لا تتحرك، عيناها مثبتتان على الممر المؤدي لغرفة نومها، حيث كان الضباب — نفس ضباب الرصيف بالضبط — يتسلل من تحت الباب المغلق.
— من ساعة ما حسيت إني مراقَبة، حاسة إن في حد واقف في الممر ده كل ما أدّي له ضهري.
— من غير ما تفتحي الباب يا أمي. سيبيني أنا أشوف.
■ الباب الذي لم يُطرق منذ ثلاثين عامًا
دفعت الباب ببطء. الغرفة لم تكن غرفة نوم أمي، بل غرفة أبي القديمة، التي أغلقتها منذ اختفائه ولم تدخلها أحد منذ ذلك الحين. وفي وسط الضباب، كان هناك ظل بشري، نصف شفاف، يقف تمامًا في المكان الذي كان يقف فيه أبي كل ليلة قبل أن يذهب للمستشفى.
— بابا؟
— آسف إني خوّفت أمك. كنت بحاول أوصلك من غير ما أقرب من البيت، بس المهلة بتاعتك بقت قريبة من نهايتها، والحاجز بينا وبينكم بقى أضعف.
لم يكن صوته يأتي من فم يتحرك بوضوح، بل كأنه يصل مباشرة إلى رأسي، كصدى قديم وجد أخيرًا من يسمعه.
■ ثلاثون عامًا بين عالمين
نادت أمي بصوت متهدج من خلف الباب، فسمحت لها بالدخول. وقفنا الثلاثة في تلك الغرفة الباردة، وللمرة الأولى منذ ثلاثين عامًا، اجتمعت العائلة كاملة، ولو أن أحدهم لم يعد يملك جسدًا.
— ما متّش يا سارة. ولا هربت زي ما كل الناس فكرت. أنا رفضت أوقّع على اسم بديل ليلة السابعة، ورفضت كمان أرجع للرصيف بنفسي. فعاقبني الميزان بعقاب ما كنتش متخيله: لا حياة، ولا موت، ولا حراسة. بس انتظار، معلّق هنا، بين الاتنين.
— يعني الهروب مش حل؟ ده أسوأ من إني أختار حد يا بابا.
— الهروب مش حرية يا كريم، هو سجن تاني بس من غير قضبان. وأنا قضيت ثلاثين سنة أراقب بيتي من غير ما ألمسه، أسمع صوتك بيكبر من غير ما أقدر أحضنك. متكررش غلطتي.
— باب تالت؟ تقصد إيه بالظبط؟
— الرصيف صفر. المكان اللي شُفته فيه أول مرة، قبل ما تعرف إنك الحارس. يُقال إن في قصة قديمة عن حارس رفض يختار أي اسم، ولا هرب، لكنه رجع هناك في الليلة السادسة بالذات وواجه الجابي في عقر داره، وسأله سؤالًا محدش سأله قبله. محدش يعرف تفاصيل أكتر من كده، لأن اسمه اتمسح من كل السجلات بعدها.
لكن لا أحد يعرف السؤال الذي يُطرح هناك، ولا ثمن طرحه.
بدأ جسد أبي الشفاف يتلاشى أكثر مع اقتراب الفجر، كأن ضوء الصباح وحده كفيل بسحبه بعيدًا من جديد.
— مش هقدر أبقى أكتر من كده الليلة. بس اسمع مني كلمة أخيرة: أي اسم تختاره بقلبك، حتى لو كان بريء تمامًا، هيفضل يطاردك طول عمرك زي ما طاردني أنا. روح للرصيف صفر، يا كريم. اسأل السؤال اللي محدش سأله. أنا مش قادر أوصف لك إزاي، بس حاسس إنه هو الطريق الوحيد اللي ممكن يخلّصك من غير ما يكلّفك حد تحبه.
تلاشى تمامًا قبل أن أسأله عن تفاصيل أكثر، تاركًا رائحة خفيفة من دخان السجائر التي لم يدخنها منذ ثلاثة عقود. احتضنت أمي وهي تبكي بصمت، بينما عقلي يعيد صياغة السؤال نفسه: أي سؤال يستحق أن يُمحى اسم صاحبه من كل سجلات الوجود؟
ليلتان متبقيتان. وأبي الذي حسبته هاربًا، كان الأقرب للحقيقة من الجميع،
وغدًا، يجب أن أعود إلى حيث بدأ كل شيء: الرصيف صفر.
غير مكتملة

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك