محطة بين الحيوات
من يعرف اسمي قبل أن أنطقه
"نجيب". هذا ما قالته. ليس "يا دكتور"، ولا "يا كريم". قالت اسمي الكامل: نجيب كريم وليد. وهو اسم لم أستخدمه منذ توقيع شهادتي الجامعية.
وقفت عند باب الغرفة ثلاث ثوانٍ لا أكثر، ثم خرجت دون أن أرد عليها. أخبرت منى أنني بحاجة لمراجعة ملفها، وذهبت مباشرة إلى سجلات القبول.
لم يكن اسم "نجيب" مكتوبًا في أي مكان من شاراتي أو ملفاتي الرسمية. كان اسمًا ناداني به أبي فقط، قبل أن يموت، وتوقفت عائلتي بالكامل عن استخدامه بعدها.
■ امرأة بلا بصمة
طلبت من قسم السجلات مطابقة بصماتها بقاعدة البيانات الوطنية. جاءني الرد بعد ساعة واحدة، وكان غريبًا بما يكفي ليجعل الموظف يكرر الفحص ثلاث مرات.
— بصمتها غير موجودة يا دكتور. مش بس في القاعدة المحلية، حتى في قاعدة البيانات القومية، في سجل المواليد، مفيش حاجة. كأن الست دي ماتولدتش أصلًا.
— هل فحصتم فصيلة الدم؟
— ده اللي غريب أكتر. فصيلة نادرة جدًا، ومطابقة تمامًا لفصيلة دم مريضة أخرى دخلت نفس هذا الجناح... منذ سنة بالتمام.
سألته عن اسم تلك المريضة، فقلّب الأوراق طويلًا قبل أن يجيب.
— نور فؤاد. توفيت في حادث سيارة على نفس الكوبري، وأُعلنت وفاتها رسميًا في هذا المستشفى، في الغرفة رقم 214.
— وما رقم غرفة مريضتنا الآن؟
— 214.
■ الخزانة في غرفة المستلزمات
لم أنتظر حدوث سكتة قلبية هذه المرة. بمجرد أن أغلقت باب غرفة المستلزمات خلفي لأستريح دقيقة، تجمد صوت العالم فجأة، وفتحت الخزانة أمامي كأنها باب.
لم يكن المكان خلفها غرفة مستلزمات بعد الآن، بل نفس الممر الحجري، ونفس رائحة الورق القديم. كان أمين السجل ينتظرني هذه المرة، وكأنه عرف أنني سآتي بلا سكتة قلبية تستدعيني.
— توقيعك جعلك قادرًا على العبور حتى وأنت حيّ تمامًا. هذا أيضًا لم يحدث منذ زمن طويل.
— أخبرني عن نور فؤاد. الآن.
سحب دفترين من رفين مختلفين، ووضعهما جنبًا إلى جنب على الطاولة الحجرية. الأول محروق الحواف كما رأيته في المرة السابقة، والثاني جديد تمامًا بخط حبر لم يجف بعد.
— نور فؤاد عبرت هذا الرصيف قبل عام. كانت تذكرتها صحيحة، ووصولها إلى هنا كان في موعده. لكن الحارس الذي سبقك رفض أن يغلق ملفها.
— لماذا؟
— لأنه كان يعرفها قبل أن تصل إلى الرصيف. من حياته هو، لا من عمله هنا. وهذا أول قانون يُكسر حين يُكسر: ألا يعرف الحارس الراكب شخصيًا.
شعرت ببرودة تسري في ذراعي. فكرت في الحارس السابق الذي اختفى، وفي أن الاسم الذي نادتني به نور لم يكن اسمًا عرفته من ملفاتي، بل من ذاكرة لا أعرف أنا نفسي أنني أملكها.
— هل كنت أنا... الحارس السابق؟
— لا. لكنك تحمل نفس الثغرة التي كان يحملها: لقد شعرت تجاهها بشيء من اللحظة الأولى، قبل أن توقّع، لا بعدها.
■ الجابي
سمعنا وقع خطوات بطيئة تقترب من عمق الممر، لم تكن خطوات أمين السجل، ولا خطوات بشرية بالمعنى الذي أعرفه. ظهر من الظلام رجل طويل يرتدي معطفًا داكنًا، يحمل في يده ميزانًا نحاسيًا قديمًا تتأرجح كفتاه ببطء رغم ثباته التام.
تراجع أمين السجل خطوة، بوجه فقد فجأة ثقته الإدارية الجافة.
— أيها الحارس الجديد. وقّعت توقيعًا يوازن به الحساب مؤقتًا. لكن الميزان لا يعرف "المؤقت".
— من أنت؟
— أنا من يتأكد أن كل من يعبر بلا تذكرة، يدفع ثمن عبوره من مكان آخر. حياة واحدة عادت إلى الوجود الليلة، يعني أن حياة أخرى يجب أن تُسحب من مكانها لتوازن الكفة.
— لم يخبرني أحد بهذا الشرط قبل أن أوقّع!
— الحب لا ينتظر قراءة الشروط، يا نجيب. ولا توقيعك الذي أنقذها كان قرارًا؛ كان ببساطة دفعًا مسبقًا لثمن لم تحدد بعد من سيدفعه.
إذا انتهت المهلة دون اسم، يُسحب الاسم الأقرب إلى قلبك أنت بالذات
اقترب الجابي خطوة، وأمال ميزانه نحوي قليلًا، فرأيت على إحدى الكفتين صورة باهتة لوجه لم أتمكن من تمييزه، وعلى الكفة الأخرى وجه نور، واضحًا تمامًا هذه المرة.
— سبع ليالٍ، أيها الحارس. استخدمها جيدًا، فأنت لست أول من ظنّ أن الحب يُعفيه من الحساب.
تراجع إلى الظلام كما جاء منه، تاركًا رائحة معدن محترق في الممر. التفتّ إلى أمين السجل طالبًا تفسيرًا إضافيًا، لكنه كان يغلق الدفترين بيدين ترتجفان.
— لم يحدث هذا من قبل إلا مرة واحدة. ولم ينته بخير.
■ العودة إلى غرفة 214
عدت إلى المستشفى بلا شعور بمرور وقت، كأن الممر الحجري لم يسرق مني دقيقة واحدة من عالمي. فتحت باب غرفة 214، فوجدت نور مستيقظة، تنظر من النافذة.
— هل تذكرتِ شيئًا آخر؟
تذكرت رجلاً كان يشبهك تمامًا، لكنه كان أكبر مني بكثير، وكان يبكي وهو يطلب مني ألا أصعد القطار.
شعرت أن الأرض تميل قليلًا تحت قدمي. لم تكن تصف الحارس السابق فحسب؛ كانت تصف رجلاً أعرف ملامحه من صورة قديمة واحدة فقط، معلّقة في بيت جدتي، لرجل مات قبل أن أولد: أبي.
سبع ليالٍ فقط تفصلني عن ميزان لا يرحم.
وامرأة لا تعرف اسمها الحقيقي، تصف لي أبي وهو يبكي أمام قطار لم يكن لي أن أراه.
غير مكتملة

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك