البانتشاسيلا.. تاريخها.. عقائدها

0

البانتشاسيلا: العقيدة التي زُرعت في قلب إندونيسيا المسلمة

الحمد لله العليّ العظيم، والصلاة والسلام على محمدٍ خاتم المرسلين.

لقد أتقن أعداء الإسلام حربهم منذ اجتاحت الحملاتُ الصليبية الأمةَ عسكريًا ثم تقهقرت منهزمةً بأيدي قادة المسلمين. وما إن انطفأت تلك النار حتى بدأت حربٌ أخرى، شرعت في شنّها فئةٌ أنشأت العديد من الجمعيات السرية لهدم الأديان، واخترعت "ماكينةً" جديدةً من شأنها أن تولّد أعدادًا لا متناهية من العقائد التي تفرّق بين الشعوب وتشعل نيران الحروب، وتقسّم الدولة إلى دويلات، والأمة إلى أمم، والدين إلى أديان.

وظلّت تلك الماكينة بتروسها تدور دون توقّف، حتى تكاثرت تلك الجمعيات فصارت منظماتٍ لها صفةٌ رسمية في جميع أنحاء العالم، حتى ادّعى البعض أن الأصابع العاملة على تلك الماكينة قد تمكّنت من السيطرة على مفاصل كثيرة في العالم.


❓ ما البانتشاسيلا؟

هي المبادئ الخمسة المتلاحمة، أُعلنت عام 1945م، ووُضعت في دستور إندونيسيا المسلمة عقب الاستقلال؛ لتكون — بحسب هذه القراءة — بديلًا يُزاحم مركزيةَ العقيدة الإسلامية، ويفتح البابَ لنشر العلمنة، ولتنمية شراذم الأقليات من الأديان الأخرى الوثنية والنصرانية.

📜 بداية القصة وميثاق جاكرتا

بدأت القصة عندما نشب الخلاف بين القوى الإسلامية والقوى اللادينية الأخرى حول أساس الدولة: "أدينيّة هي أم لا دينية؟" في إطار انعقاد لجنة الإعداد للاستقلال في إندونيسيا. فجاء سوكارنو — أول رئيسٍ لإندونيسيا بعد الاستقلال — ووضع المبادئ الخمسة (البانتشاسيلا) لتكون أساس الدولة.

وتمثّلت المبادئ الخمسة في:

  1. الإيمان بالله الواحد الأحد (الربانية المتفرّدة).
  2. القومية، وتنادي (بالوحدة الإندونيسية).
  3. الديمقراطية، أو (الشعبية الموجّهة بالحكمة في الشورى النيابية).
  4. الإنسانية العادلة المهذَّبة.
  5. العدالة الاجتماعية.

وقد انعقدت لجنةٌ تساعية ضمّت زعماءَ إسلاميين ووطنيين، تركّزت مهمتها في وضع ما يُسمّى بـ"ميثاق جاكرتا"، وتم التوقيع عليه بتاريخ 22 يونيو 1945م ليصبح مقدمةً لدستور 1945م — محذوفًا منه جملة "مع وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية على معتنقيها"، إثر تهديداتٍ صدرت من القلّة النصرانية في إندونيسيا بعدم المشاركة في النضال لنيل الاستقلال إذا لم تُحذف هذه الجملة.

🪖 من سوكارنو إلى سوهارتو

وعقب ذلك حكم سوكارنو إندونيسيا بسياسة الحديد والنار على مذهب عساكر الدول النامية، ونالت الدعوة الإسلامية في عهده أشدّ العنت. ثم جاء من بعده سوهارتو الذي استولى على السلطة بانقلابٍ عسكري، فعزله وسار على نفس نهجه، وروّج العلمانية، وأطلق يد التنصير والوثنية، ونشر الفساد والتحلّل الأخلاقي في إندونيسيا.

يقول سوكارنو: "إن الإنسان الذي لا يزال يعيش على الزراعة يشعر بحاجةٍ إلى الله، وإذا بلغ مرحلة الصناعة لم يعد يرى ثمّة ضرورة لوجود الله". ومن هنا تبيّن أن المقصود بمبدأ الإيمان تمويهٌ على الحقيقة اللادينية للبانتشاسيلا.

⚠️ ثمارٌ ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب

عملت المبادئ الخمسة عملها كشعاراتٍ نظرية، تسلّلت من ورائها العلمانية تسعى لإفساد الشعب وتشكيكه في الإسلام. وكانت أبرز نتائجها:

  • التنصير المنظَّم: تسلّلت الجمعيات التنصيرية بتسهيلاتٍ من الحكومة والأمم المتحدة باسم رعاية الأمومة والطفولة ومكافحة الأمراض وفتح المستشفيات، حتى بلغ عدد من تركوا الإسلام واعتنقوا الكاثوليكية نحو 20 مليونًا، في دولةٍ كانت مسلمةً بالكامل تقريبًا.
  • القومية بديلًا عن العقيدة: جُعلت الرابطة القومية هي التي تربط أفراد الشعب، صدًى للدعوات القومية الأوروبية، بهدف إبعاد العقيدة الإسلامية عن عوامل وحدة الشعب.
  • شعار "الإنسانية": أُخفيت وراءه الدعوة اللادينية، باعتبار أن الذي يجمع الشعب هو "الإنسانية" لا الدين.
  • "العدالة الاجتماعية": شعارٌ يتشدّق به الحكام العسكريون في العالم الثالث بلا ممارسةٍ حقيقية؛ وإلا فلماذا انتشر الفساد واللصوصية والرشوة والمحسوبية بين المسؤولين؟

ومن نتائج العمل بالبانتشاسيلا — باعتبارها الأساس الوحيد المعترف به للدولة — أنه صدرت قوانين اعتبرت أيّ دعوةٍ لتطبيق الدين الإسلامي "دعوةً تخريبية" تهدّد استقرار المجتمع. وحاولت الحكومة عام 1973م منعَ المسلمين من التحاكم لقوانين الشريعة في الزواج والطلاق والأحوال الشخصية، إلا أن تلك المحاولة أسقطتها المظاهرة التاريخية الكبرى التي قام بها الشباب المسلم آنذاك. كما اتجهت لمنع حجاب الشابات المسلمات، وألحقت جهازَ بوليسٍ بكل مصلحةٍ حكومية لمراقبة أنشطة الدعوة الإسلامية.

وعلى أساس البانتشاسيلا، اعترفت الحكومة بالنصرانية (5%) والأديان الوثنية (البوذية 2%، والهندوكية 2%، وباقي الوثنية 2%)، على الرغم من أن الإسلام يمثّل 88% من السكان. وعاملت الأديانَ معاملةً متساوية، فأتاحت للهيئات التبشيرية حريةً كاملة، وقدّمت برامجَ متساوية على التلفزيون لنشر تعاليم كل الأديان، حتى صار عدد الكنائس والمعابد مقاربًا لعدد المساجد.

كما أُدخلت مبادئ البانتشاسيلا مادةً أساسيةً في التعليم بجميع مراحله، وأُعِدّت دوراتٌ تدريبية لموظفي الحكومة والقطاع الخاص لدراسة مبادئها، زعمًا بأنها "ليست ضد الإسلام والمسلمين، وإنما تعني حرية الأديان للتعايش السلمي".

🕌 الخلاصة

فالخلاصة أن تلك العقائد التي تخرج علينا كل يومٍ كالفيروسات تفتّ في عضد الأمة، هي — في نظر هذا المقال — الوجه الآخر للحملات الصليبية التي لا تزال تحشد حشودها للنيل من الإسلام؛ ذلك الدين الذي بيّن الحق وفضح الباطل. وقد قال الله سبحانه في سورة البقرة:

﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[البقرة: 109]

🤲 سبحانك اللهم ربنا وبحمدك.. أشهد أن لا إله إلا أنت.. أستغفرك وأتوب إليك.

وصلى الله على نبينا محمدٍ وآله وصحبه وسلم.

إرسال تعليق

0تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك

إرسال تعليق (0)

#buttons=(Accept !) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Learn More
Accept !
To Top