عزيزي القارئ.. شكرًا لأنك قد أسعدتني بقراءة تلك الرسالة..
السلام عليكم معشر القراء، أحمد الله سبحانه بمحاسن صفاته وعظيم آلائه، وأشكره بجزيل عطائه ونعمائه، وأصلي وأسلم على محمدٍ خاتم رسله إلى جميع خلقه..
لعلك تعرف رواية «أرض النفاق» للكاتب يوسف السباعي، والتي تنقل صورة المجتمع المصري والعربي في نهاية الأربعينيات في إطارٍ خيالي ولكنها واقعية في نفس الوقت. وتدور أحداثها حول شخصٍ يكتشف محلًّا يبيع حبوبًا للأخلاق، ثم يستخدمها ليتعرض بعد ذلك لمشاكل كثيرة بسبب الأخلاق الحميدة التي صار يتحلى بها.
لا أدري أيَّ سرٍّ مكنونٍ خلف تلك الرواية التي راودني الشعور بأنها تمتّ بصلةٍ لواقعنا الآن..
في هذا العام الذي أطلّ علينا بسيولٍ ومخاطر ثم وباءٍ فتّاك، لا يزال العالم يقف على قدمٍ وساقٍ حائرًا مذعورًا أمامه دون جدوى، ولا يزال يفتك بحياة الآلاف في فترةٍ قصيرة ودون توقف، والقاسم المشترك بين السيول والوباء هو المكوث داخل المنازل؛ الأمر الذي يجعلنا نطلق على ذلك العام.. عام «خليك في البيت»..
وليت الأمر يتوقف على ذلك.. بل تسبب ذلك الوباء في الفتك بالأسواق والاقتصاد، وحدوث خللٍ كبير في الحياة الاجتماعية والسياسية أيضًا، وقد يجد بعض المعارضين للطغيان العالمي والأنظمة القمعية التي تلهو وتعبث بالشعوب.. انتقامًا ربانيًا ليَشفي صدور قومٍ مؤمنين، بينما البعض الآخر يجزمون بمبدأ التخطيط الحركي السري الشعوبي الذي يُعرف بالماسونية، ويفسرون ذلك بأنه هدفٌ من أهداف ذلك التخطيط لقتل الكثير من البشر لاستكمال سلسلة المخططات الشعوبية للسيطرة على البشر من خلال نشر الذعر وإيقاف عجلة الحياة لبرمجة عقول الناس على نمطٍ يمكن أن نسميه (الحي الميت)، أي نجعل الأحياء كالأموات، ليبقى من يبقى، ويرحل من يرحل، فيصبح البقاء للأصلح أو للأقوى الذي يمكن السيطرة عليه.
وتتلخص فلسفة الكاتب في بعض الجُمل المقتبسة، والتي تشير إلى مدلولاتٍ خطيرة جدًا؛ بإسقاطها على واقعنا المعاصر في بلادنا يمكننا أن نتنبأ بمستقبلٍ قاتمٍ غامضٍ يصعب الجزم بملامحه، إلا أن يشاء ربي شيئًا..
نجد مقولة الكاتب:
تلك هي العلة في هذا البلد... إن الذي يحس بالمصاب لا يملك منعه.. والذي يملك منعه.. لا يكاد يحس به— يوسف السباعي، أرض النفاق
وقال أيضًا:
نحن شعبٌ يحب الموتى، ولا يرى مزايا الأحياء حتى يستقروا في باطن الأرض— يوسف السباعي
وقال:
إن الإنسان.. هو الإنسان.. غشاش.. مخادع.. كذاب منافق.. في كل أمة.. في كل جيل. لا تقولوا: رحم الله آباءنا وأجدادنا.. لأنهم كانوا خيرًا منا، وأفضل خلقًا.. لا تقولوا ذلك.. فما كانوا يقلّون عنا رداءةً وسفالة— يوسف السباعي
وتلك الجملة العظيمة التي قالها:
إن شرَّ ما في النفس البشرية هي أنها تعتاد الفضل من صاحب الفضل فلا تعود تراه فضلًا!— يوسف السباعي
وعبّر عن الوضع السياسي قائلًا:
لقد سمعت زعيمًا عربيًّا عندما أُعلن نبأ التقسيم يقول: «إن القلم سيصمت وسيتكلم السيف!» وأصابتني هزةٌ إثر ما سمعت، وانتشيتُ من فرط الحماسة، وتذكرت خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وتذكرت غزوات العرب ورثيتُ لليهود المساكين.. وانتظرتُ لأسمع حديث السيف.. وانتظرتُ.. انتظرتُ، وطال بي الانتظار.. ولم أسمع حديث ذلك السيف.. حتى اتضح لي في النهاية.. أن السيف.. لابد أن يكون به خرس— يوسف السباعي
وفي تلك المقولة الذهبية:
المسألة كلها مسألة نسبية، فالعاقل في قومٍ مجانين يتساوى مع المجنون في قومٍ عقلاء.. ومن منتهى العقل منتهى الجنون! فأعقل الناس أشدهم نبوغًا، وأشدهم نبوغًا أكثرهم جنونًا— يوسف السباعي
وقال:
وهمستُ لنفسي: ليس الذنب ذنبي.. إنه ذنب الذي سكب النفاق والغش والخديعة في النهر.. ماذا يفعل ذو مروءةٍ بين أهل الخداع.. في أرض النفاق..!— يوسف السباعي
والنتيجة الخطيرة المترتبة على ذلك.. قوله:
أما هذا فهو مسحوق الأخلاق المركّز.. يكفي لو صُبَّ في نهرٍ لأن يجعل كل البشر على خُلق.. ويكفي لإبادة ما في الأرض من نفاقٍ وغشٍّ وخداعٍ ورياءٍ و..و... إنّ ما به روح الأخلاق!.. سمعتُ هذا الكلام.. وفكّرت!.. لو أنني ألقيتُ بهذا الكيس في النهر.. ماذا يمكن أن يحدث؟— يوسف السباعي
وإني بعد تلك الكلمات الخطيرة أتساءل كما تساءل الكاتب:
ها هو الوباء يفتك بالبشر، إلى الحد الذي جعل كل الأديان تنتظر المُخلّص: يسوع، أو المسيح المنتظر، أو المهدي المنتظر، رغم تعرّض الأرض كثيرًا لكوارث وأوبئة كهذه..
ولكن هل استطاع ذلك الوباء الذي يطلّ علينا بالموت دون استثناءٍ أو محاباة أن يُصلح أحوال الناس، ويحوّل مؤشراتهم الأخلاقية إلى الاتجاه الأفضل..؟
الأمر ملحوظ، فعلى الصعيد السياسي تطفح النوايا السيئة من مزايداتٍ وادعاءات تصل إلى أن تتلاعب دولةٌ بأعداد الوفيات الناجمة عن الوباء للمزايدة على دولةٍ أخرى..
ودولةٌ تهدد بقطع المعونات لمنظمة الصحة العالمية ظنًا منها أن تلك المنظمة قد تلاعبت بها ولم تواجهها بحقائق الموقف..
ودولٌ تسيطر على مواطنيها روح الشماتة والتشفّي..
وزعماء مرائين منافقين يعتبرون أنفسهم آلهةً ونظمهم مباركةً من الله عز وجل، لذلك فإن الوباء لن يغلبهم (كما هو لسان الحال).. كأنهم أشركوا بأنفسهم وعبدوها من دون الله.. شركًا خفيًا..
إنها مرحلةٌ خطيرة يمكن أن تُودي بالحياة كلها، وإلا عشنا أسوأ حالًا من الأموات.. حيث إن الأموات قد عرفوا مصيرهم في قبورهم، وعرفوا الحق الذي غاب عنهم في حياتهم الدنيا..
أما نحن.. فأصبحنا كأشباحٍ ملعونةٍ هائمةٍ مطرودةٍ من قوانين الحياة، وقوانين الموت..


رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك