غرفة الميزان
المعمل الأسود
وصلوا إلى المعمل قبل الفجر بثماني عشرة دقيقة..
وكانت الجريمة التي لُفقت لفارس قد اكتملت قبل وصولهم.
في الداخل لم يجدوا معملًا لتحليل الأدلة… بل مصنعًا ينتجها حسب الطلب.
امتد المبنى على طرف المنطقة الصناعية ككتلة سوداء بلا لافتة. النوافذ محروقة منذ حريق عام 1996، والمدخنة مائلة، والبوابة تحمل ختم إغلاق رسميًا لم يُكسر.
لكن خلف الزجاج المظلم تحرك ضوء بنفسجي.
فارس: المعامل المغلقة لا تدفع فواتير الكهرباء.
سلمى: ولا تحتفظ بدرجة حرارة ثابتة. اسمعا صوت وحدات التبريد.
توقفت سيارة آدم بعيدًا. كان أمر القبض عليه وعلى فارس قد انتشر، وصورة سلمى ظهرت في تعميم باعتبارها شاهدة مطلوبة. لم يعد في وسعهم طلب دعم لا يعرفون إن كان سيأتي لإنقاذهم أم لمصادرة ما وجدوه.
كانت الرسالة الموقعة بحرفي حسام الرفاعي واضحة:
ولا تلمسوا الضوء الأبيض.
■ الباب الذي يقيس مَن يفتحه
قادهم فارس إلى باب معدني في الجانب الخلفي. لم يكن له قفل ظاهر، بل لوحة زجاجية بيضاء.
آدم: الرسالة قالت لا نلمس الضوء الأبيض.
فارس: لأن اللوحة لا تقرأ مفتاحًا. تقرأ بصمة.
أخرج فيلم البصمة الذي وجدوه في صندوق آدم، ووضعه فوق اللوحة دون أن يلمسها. أضاء خط أخضر، وانفتح الباب.
سلمى: بصمة مَن؟
قلب فارس الفيلم. كان يحمل اسمًا صغيرًا تحت الضوء:
فارس: بصمتي.
لم تُستخدم بصمته فقط لتلفيق جريمة قتل؛ كانت مصرحًا لها بدخول المعمل.
آدم: احتفظوا ببصمتك لسنوات، ثم جعلوك موظفًا دون أن تعرف.
فارس: وأي وظيفة محترمة تبدأ بقضية قتل؟
دخلوا ممرًا ضيقًا تفوح منه رائحة المطهر والحديد. اشتغلت المصابيح تباعًا أمامهم، وانطفأت خلفهم، كأن المبنى يبتلع خطواتهم.
■ جرائم تحت الزجاج
انتهى الممر إلى قاعة واسعة مقسمة بحواجز زجاجية. خلف كل حاجز مشهد مختلف: غرفة نوم، مكتب، متجر صغير، سيارة محطمة، وجزء من رصيف.
كانت مسارح جرائم كاملة أُعيد بناؤها بالحجم الطبيعي.
فوق منضدة قريبة وُضعت بصمات على شرائح شفافة، وأكياس دم تحمل رموزًا بدل الأسماء، وأقمشة مطابقة لما عُثر عليه في ملفات مغلقة.
سلمى: هذا ليس تزوير تقرير بعد الجريمة. إنهم يصممون الجريمة أولًا، ثم يبحثون عن شخص يناسب الأدلة.
آدم: أو يختارون الشخص، ثم يبنون الجريمة حول حياته.
في المشهد الثالث رأى آدم نسخة مطابقة لشقته: مكتبه، المقعد القريب من النافذة، وحتى كوب القهوة المشروخ الذي تركه صباح الأمس.
فوق الطاولة وُضع سلاح داخل كيس، وعلى الكوب طبقة تحمل بصماته.
جريمة لم تقع بعد، مجهزة لإدانة الرائد آدم الشناوي.
أما المشهد الخامس فكان شقة الرجل الذي اتُهم فارس بقتله. ظهرت ساعة إلكترونية في زاويتها تسجل خطوات التنفيذ. كان القتل مصورًا من البداية إلى النهاية، لكن القاتل ارتدى قفازًا ونقل بصمات فارس بعد الوفاة.
فارس: أعطني الشريط، وينتهي الاتهام.
آدم: إذا أخذنا النسخة الوحيدة سيقال إننا صنعناها. نصورها ونبحث عن التسجيل الأصلي.
ضغط فارس أسنانه، لكنه ترك الشريط مكانه.
■ دفتر الطبيب الميت
عثرت سلمى في المختبر الداخلي على خزانة تحمل الأحرف الأولى من اسم والدها: ك. ن.
بداخلها معطف قديم، كراسة مختبر، وصورة لها وهي طفلة.
سلمى: كان هنا.
فتحت الكراسة. بدأت الصفحات كملاحظات علمية عن حفظ العينات، ثم تحولت إلى اعترافات قصيرة كتبها رجل أدرك متأخرًا طبيعة المكان.
مقتطف من دفتر كمال نجيب
بدأنا بمراجعة الأخطاء التي أفلت بها القتلة.
ثم طلبوا تعديل نتيجة واحدة «لتحقيق العدالة».
بعدها صار الاستثناء قاعدة، وصارت القاعدة غرفة بلا نوافذ.
حين حاولت الانسحاب، أروني ملف ابنتي وقالوا إن الدليل يمكن أن يختار أي شخص.
وجدت سلمى تسجيلًا قصيرًا بصوت والدها:
كمال نجيب: لم أقتل ناصر هلال، لكنني أعطيتهم الساعتين اللتين احتاجوهما لإعدامه. إذا سمعتِ هذا يا سلمى، فلا تدافعي عن اسمي. أصلحي ما فعلته.
أغلقت سلمى الجهاز، ودموعها لم تسقط.
سلمى: كان مذنبًا.
آدم: وكان يحاول أن يترك لك دليلًا، لا عذرًا.
سلمى: لا أعرف أيهما يؤلم أكثر.
■ جريمة فارس الجاهزة
وجد فارس ملف الجريمة التي حملت بصماته. كان كل شيء مرتبًا: صورة الضحية، السلاح، إفادة جار، وتسجيل كاميرا مزيف يظهر رجلًا في طوله وهيئته.
لكن جدول التنفيذ احتوى خطأً.
فارس: كتبوا أن القاتل دخل الشقة عند الثالثة وسبع دقائق.
سلمى: كنا داخل مخزن المحكمة.
آدم: والشرطة ستقول إن توقيت كاميرا المحكمة غير موثوق بعد الحريق.
في أسفل الملف توقيع بالموافقة على تشغيل الخطة:
تاريخ الاعتماد: قبل الجريمة بثلاثة أيام
أمسك آدم الورقة طويلًا.
فارس: حسام الرفاعي.
آدم: الحرفان لا يكفيان.
فارس: صوته لا يكفي، صورته لا تكفي، وتوقيعه لا يكفي. ما الذي سيكفيك؟ أن يخرج من الحائط ويصافحك؟
اشتغل مكبر الصوت في السقف.
الصوت: لا تصافحني يا آدم. يدي لم تعد نظيفة.
كان صوت حسام.
■ الرجل خلف الزجاج
أُضيء ممر خلف الحائط الزجاجي. ظهر رجل في معطف داكن، وجهه نصف مخفي بالدخان.
اقترب آدم من الزجاج.
آدم: حسام؟
الرجل: كان يجب أن تترك القضية مغلقة.
آدم: دفنتك.
الرجل: دفنت ما قدموه لك.
آدم: افتح الباب.
الرجل: إذا فتحته الآن، لن يخرج أحد من المعمل.
رفع الرجل يده إلى حاجبه الأيسر.
الحركة نفسها التي قال فارس إن حسام يفعلها حين يكذب.
آدم: أنت تكذب الآن.
ابتسم الرجل.
الرجل: جيد. ما زلت تتذكرني.
انطفأ الممر، ثم اشتغلت صفارات الحريق.
الصوت: خذوا السجل الأسود من الخزانة المركزية. فيه القضايا السبع التي بدأت منها الغرفة. أمامكم أربع دقائق قبل أن يحترق كل شيء.
فارس: لماذا تحرق مكانك؟
الصوت: لأنه لم يعد مكاني.
■ أربع دقائق وسط النار
أغلقت أبواب المختبرات تلقائيًا، واندلع اللهب في مخزن المواد. كسر فارس لوحة الخزانة المركزية، بينما نسخت سلمى تسجيل والدها وحمل آدم ملفات المسارح السبعة.
وجد فارس سجلًا أسود سميكًا. لم يحمل أسماء متهمين، بل قوائم مواد وأرقام قضايا وتواريخ تصنيع الأدلة.
فارس: هذا يثبت أن الأدلة خرجت من معمل واحد.
آدم: إذا خرج السجل معنا حيًا.
انهار جزء من السقف وسد الممر. وجدوا باب خدمة خلف ثلاجة العينات، لكنه لم يفتح إلا ببصمة فارس. وضع إصبعه، فظهر على الشاشة:
صلاحية الخروج: ملغاة
فتح فارس الغطاء ووصل سلكين داخل اللوحة. انفتح الباب نصف متر فقط. مررت سلمى، ثم السجل، ثم آدم. بقي فارس حين سقط عارض معدني أمامه.
فارس: اخرجوا!
عاد آدم وسط الدخان، رفع العارضة معه، وسحباه إلى الخارج قبل انفجار زجاج المختبر.
وقفوا في الساحة مع شروق الشمس. اشتعل المعمل من الداخل، لكن وحدات الإطفاء لم تصل.
فتح آدم السجل الأسود.
القضايا السبع التي وزعت عليها أدلة القضية صفر لم تكن عشوائية. كل قضية أُغلقت باستخدام العينة الكيميائية نفسها لنقل البصمات.
وعند وضع تواريخها فوق خريطة القاهرة، شكلت المواقع خطًا يقود إلى مبنى واحد.
سلمى: ما هذا المكان؟
قرأ فارس الاسم المكتوب بجوار الرمز:
فارس: غرفة الميزان.
رن الهاتف الأرضي داخل كشك الحراسة المحترق جزئيًا. رفع آدم السماعة.
حسام: السجل الذي معك نسخة تركناها كي تجدها.
آدم: أين أنت؟
حسام: أقرب مما تتخيل. لكن قبل أن تبحث عني، افتح الصفحة السابعة.
فتحها آدم.
وجد أمرًا بصناعة دليل جديد، والهدف هذه المرة لم يكن فارسًا أو آدم.
الجريمة المحددة: قتل لم يقع بعد
آدم: لماذا سلمى؟
حسام: لأنها تحمل في دمها الدليل الوحيد الذي لم يستطع أبوها تزويره.
انقطع الخط.
نظرت سلمى إلى آخر سطر في الصفحة.
كان موعد الجريمة:
اليوم نفسه — الساعة الثامنة مساءً.

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك