محطة بين الحيوات
سرّ الرصيف صفر
بحثت في أرشيف المستشفى القديم عن اسم محطة أُغلقت قبل أربعين عامًا. وجدته: "محطة القبة"، نفس الحي الذي يسكن فيه أهلي، على بعد شارعين فقط من بيت طفولتي.
تركت نور نائمة، وتركت أمي تبكي بهدوء على صورة أبي، وقدت السيارة في العتمة نحو سياج صدئ لم يعبره أحد منذ أن توقف آخر قطار هناك.
■ الرصيف الذي لا يحتاج نبضة متوقفة
لافتة معدنية صدئة، بالكاد يُقرأ عليها رقم "0"، وساعة توقفت عقاربها منذ عقود عند نفس التوقيت الذي يلازمني: الثالثة وخمس عشرة دقيقة. وقفت أمام الرصيف، أتذكر تحذير أبي: الدخول هنا من غير موت سريري قد يحبسني للأبد إن لم أعد قبل الفجر.
— لو رجعت، يبقى كل حاجة اتغيرت. ولو ما رجعتش، يبقى أنا اخترت طريقه هو من غير قصد.
وضعت قدمي على القضيب الأول. لم يكن هناك جهاز إنعاش، ولا سرير، ولا طبيب آخر يحاول إعادتي؛ فقط قرار واحد، واعٍ تمامًا، بعبور خط لم يُخلق لمن يملك نبضًا طبيعيًا.
■ السؤال الذي لم يُسأل
كانت المحطة فارغة تمامًا هذه المرة؛ لا عابرين، لا أرواح معلّقة، فقط أنا والضباب والصمت. ثم ظهر الجابي من العدم، وقف بعيدًا بضع خطوات، كأنه يزن حضوري قبل أن يقترب.
— لم يجرؤ أحد على عبور هذا الخط حيًّا منذ زمن طويل. أنت تعرف الثمن إن لم تعد قبل الفجر؟
— عارف. بس أبويا قال إن فيه سؤال محدش سأله، وإن اللي سأله اتمسح اسمه من كل سجلاتكم. أنا جاي أسأله.
— السؤال نفسه ليس ما يغيّر شيئًا، أيها الحارس. ما يغيّر هو استعداد السائل أن يدفع ثمن المعرفة قبل أن يسمعها، لا بعدها.
— أنا مستعد. خد مني أي حاجة، بس قولّي الحقيقة كاملة.
■ الميزان الذي لا يطلب دمًا
شعرت أن الأرض تحتي تهتز، لا بفعل زلزال، بل بفعل سؤال يقلب كل ما ظننته قانونًا ثابتًا.
— الموازنة الحقيقية لا تتطلب موتًا مقابل حياة. هذا ما افترضه كل حارس خوفًا، لا معرفة. الميزان يحتاج فقط التزامًا دائمًا من طرف واحد، ليعادل خرقًا دائمًا حدث حين نجا من لم يكن موعده قد حان.
— التزام دائم... يعني إيه بالظبط؟
— يعني أن تصبح أنت الحارس إلى الأبد، لا لسبع ليالٍ، بل حتى تنتهي سلالتك من الوجود. لا بديل يموت، لا أحد تخسره، لكنك لن تعود حرًّا مرة أخرى. هذا ما رفض كل من سبقوك أن يقبله: ظنوا الموت أهون من الأبدية.
وأبوك لم يرفض الاثنين جبنًا، بل لأنه لم يستطع أن يفعل بك ما تطلبه الأبدية من قسوة على من تحب.
— يعني أقدر أنقذ نور وأمي وأي حد تاني كنت خايف عليه... بس أخسر حياتي أنا للأبد؟
— لن تخسر حياتك. ستصبح الحياة نفسها جزءًا من عملك. ستشيخ ببطء شديد، وتحب، وربما تتزوج، لكنك لن تترك هذا الرصيف حقًّا، ولو عشت بين الناس. هل هذا ثمن تقبله، أيها الحارس؟
لم أجب على الفور. شعرت ببرودة الفجر تقترب من حافة السماء خلف الضباب، وصوت الجابي يذكّرني أن وقتي للعودة قد أوشك على النفاد.
— لن أطلب منك إجابة الآن. ستُحسم في الليلة السابعة، الليلة الأخيرة، عند منتصف الليل بالضبط. إما اسم يُكتب، أو حارس يقبل الأبدية، أو لا شيء يُحسم فيُسحب الاسم الأقرب إلى قلبك قسرًا دون إرادته.
ركضت نحو القضيب الأول بينما كانت أنفاسي تتجمد في الهواء البارد، ولمحت بصيص ضوء الفجر الحقيقي خلف أشجار السياج. عبرت اللحظة الأخيرة، وفتحت عينيّ في سيارتي، مطوقًا بعرق بارد، والساعة تشير إلى الخامسة وسبع دقائق صباحًا.
ليلة واحدة متبقية. وأنا أعرف الآن الثمن الحقيقي لكل شيء:
إما أضحّي بقلبي، أو أضحّي بقلب أحبه. غدًا، يجب أن أختار.
غير مكتملة

رأيك مهم لذا لا تبخل بترك تعليقك