نعرة التقديس



نعرة التقديس: الداء الذي يحوّل العقول إلى قطيع

في حياتنا كثيرًا ما نستخدم أساليب اليهود دون أن ندري، وكلنا نعرف النعرة اليهودية الشهيرة التي دائمًا نسمعها عنهم، وهي مقولتهم بأنهم "شعب الله المختار"، وكل من يعاديهم ولا يتّبع ديانتهم يطلقون عليه "جويم" أو "الأمّيين" أو "الأمميين". وعليه فتنقسم البشرية جمعاء إلى طبقتين: طبقة اليهود، وهم العلماء والحكماء والقادة والزعماء وشعب الله المختار، وطبقة غير اليهود، وهم العبيد والكفرة والفجرة والإرهاب والبهائم والأنعام، والكثير الكثير من الصفات التي يتنابذ بها اليهود لمن هم على غير دينهم.

وعليه فإن أحكامهم باستحلال القتل وانتهاك الأموال والأعراض تظل قائمةً على كل من لم يَدِن بالديانة اليهودية، وينتسب إلى سلالةٍ أخرى غير السامية.

ولكن بغضّ النظر عن هذه النعرة اليهودية، والابتعاد قليلًا عن سيرتهم التعسة، فإننا نودّ أن نصارح أنفسنا بأننا نعاني في مجتمعنا المصري بصفةٍ خاصة من تلك النعرة الذميمة اللعينة التي استشرت في كلامنا وأحاديثنا وأفعالنا كالنار في الهشيم.


⚠️ نعرة التقديس

ترى كثيرًا من الناس دائمًا في مواقف حياتهم اليومية عندما يرغبون في إقناعك بشيءٍ معين، تجدهم يلجأون إلى تلك النعرة، ونلمس ذلك على كل الأصعدة.

🔎 التقديس في كل مجال

  • في السياسة: تقديسٌ للأشخاص، أو للمذاهب، أو للدساتير، أو للأحزاب، وغيره.
  • في الدين: تجد جماعةً تنتسب للدين تقدّس نفسها على باقي الجماعات والمذاهب، بل وقد يذهب بها الشيطان كلّ مذهب، فتُلقي بسهام التكفير والرِّدة على كل من خالفها.
  • في الاقتصاد: تقديسٌ للنظام الرأسمالي مثلًا، أو للنظام الاشتراكي.. إلخ، وكأنه دينٌ أُنزل من السماء وفُرض على جميع أهل الأرض اتّباعه.
  • في الرياضة: تقديسٌ لنادي الأهلي، والزمالك، والإسماعيلي.. إلخ، ونجوم الكرة والمدرّبين والجهاز الفني والمعلّقين، وكأن الفريق الفلاني أو اللاعب الفلاني جيشٌ غزا العالم وفتحه ورفع راية التوحيد ترفرف، وبيده مستقبل الشعوب والأوطان.
  • في الفن: فحدّث ولا حرج عن تقديس النجم الفلاني والفنان العلاني، فلا يجوز لك أن تنتقد "جيل الفن الجميل" لأنهم مقدّسون وأصواتٌ من الجنة، ولا تغتاب ذلك المطرب، ومن العار ألّا تتبع رأي النجم اللامع في دينٍ أو دنيا وتنتقد رأيه، لأن رأيه توفيقٌ من الله وإلهام!

كما تجد ذلك في الغناء، والأدب، والصحافة، وكل المجالات؛ فحيلة التقديس مستشرية ومشتعلة في عقول وقلوب الجماهير بمختلف أجيالها وأجناسها، وبغضّ النظر عن ماهيّة التقديس — وأنه ليس تقديس عبادة — لكن تظل النعرة داءً يجعل كل واحدٍ فينا قد يرفع السلاح على أخيه ولا يتورّع عن قتله من أجل شيءٍ تافه، سواء أكان شخصًا أو مبدأ أو أيّ شيء يجعل ذلك الشخص يشعر بانتماءٍ وعصبيةٍ جاهلية له.

"نعرة التقديس تطغى على عقولنا فتشلها عن التفكير والنقد البنّاء، وتحوّلها إلى عقولٍ بهيمية تنساق كالقطيع وتنقاد خلف كل ناعق، فتتحول إلى قطعانٍ همجية غير مسؤولة عن تصرفاتها."

🛑 ظاهرة خطيرة يجب أن ننتبه إليها

على اختلاف مناهجنا ومشاربنا وانتماءاتنا: لا تقدّس أحدًا ولا شيئًا، إلا القدّوس عزّ وجلّ ودينه الإسلام وأنبياءه الذين بلّغوا، وصحابة أنبيائه وحوارِيّيهم، فهم أولى باﻻحترام والتبجيل واﻻقتداء في غير إفراط أو تفريط..

فتقديسه دأب الملائكة وكل ما خلقه بيديه، وما سواه فلا يُقدَّس؛ لأن كل مخلوقٍ ليست له عصمةٌ من نقصان، وليس المخلوق بشبيه الخالق أبدًا. فالخالق هو الكمال في حقيقته ووجوديّته وصمديّته وقيّوميّته، أما المخلوق فالنقص هو صفته الأساسية والأبدية لطالما وُجدت على الأرض حياة.

فليَدَعْ كل واحدٍ منكم يا قوم نعرة التقديس الكاذبة الخاطئة، التي تجعل من الإنسان الذي كرّمه الله بالعقل والتفكير مجرد آلةٍ أو بهيمةٍ منساقةٍ ومنقادةٍ خلف الشيء المقدَّس ظلمًا وعدوانًا، فتختلّ موازين الحياة ويضيع الهدف الأسمى الذي خلق الله الإنس والجن لأجله.

ألا وهو.. العبادة.

🌟 الخيرية لله.. لا لجنسٍ ولا لنجم

حتى إن الله سبحانه وتعالى عندما جعل الخيرية لأمة الإسلام، فهو لم يجعلها لجنسٍ معين أو شعبٍ معين أو طائفةٍ معينة من الناس، بل جعلها لكل فردٍ انضمّ للأمة الإسلامية بغضّ النظر عن لونه أو وطنه أو لغته أو اسمه، ما دام آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر. وقد تجد أن أمة الإسلام عبارة عن شخصٍ واحد، كما قال الله: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"، وكما قيل: "أنت الجماعة ولو كنت وحدك"؛ لأن الفرد قد يقوم مقام الأمة في زمنٍ من الأزمنة يسود فيه الكفر والظلم ويبلغ أوجه وذروته.

فالخيرية ليست مطلقةً لشعبٍ معين أو جيشٍ معين، وليست هي للمشاهير والمنعوتين بالنجومية ظلمًا وزورًا، إنما الخيرية عند الله عزّ وجلّ وجميع مقامات العبودية: كمقام العبد، ومقام الشهادة، ومقام التقوى، ومقام المحسنين. وما فضّل الله بعض الناس على بعض، وبعض الأنبياء على بعض، وبعض الأماكن على بعض، ليس ذلك إلا حكم الله يحكم به، وليس للبشر منه شيء.

فلا غروَ أن ننكر جميع مقامات الخيرية والنعرات التقديسية التي يطلقها الناس بهتانًا وزورًا، وكما قيل: إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ويُهلك الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة.

🕊️ فدعوا عنكم نعرة التقديس فإنها مُنتنة.. مُهلكة.. تزرع الوحشة بين الناس والعداوة والبغضاء، وذَروا حكم التفضيل لله، ولا تتمنّوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض، ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا.

والسلام،،،

#buttons=(Accept !) #days=(20)

Our website uses cookies to enhance your experience. Learn More
Accept !
To Top